لماذا يقاوم جسمك خسارة الوزن؟
تُظهر الأبحاث أن مقاومة الجسم لخسارة الوزن ليست ضعفاً في الإرادة، بل نتيجة تفاعلات بيولوجية معقّدة تشمل الهرمونات والأيض والجينات، ما يجعل الحفاظ على الوزن تحدّياً طويل الأمد.


دائماً ما اعتُبرت معركة خسارة الوزن مسألة إرادة وانضباط شخصي، لكن العلم الحديث يكشف أن السبب الحقيقي أعمق من ذلك بكثير. فوفقاً لتقرير نشرته مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، فإن الجسم مبرمج بيولوجياً لمقاومة فقدان الوزن، إذ تتكاتف الهرمونات والجينات وحتى التطوّر البشري للحفاظ على الوزن الذي يعتبره الجسم «طبيعياً» بالنسبة إليه.
تشير بيانات المعهد الوطني للصحة وجمعية السمنة الأميركية إلى أن ما بين 80 و95% من الأشخاص الذين يفقدون الوزن يستعيدونه خلال ثلاث إلى خمس سنوات. والسبب لا يعود إلى ضعف الإرادة، بل إلى سلسلة من التفاعلات البيولوجية التي تحاول إبقاء الجسم في توازنه الطبيعي.
تقول المديرة الطبية لمجلس طب السمنة الأميركي، الدكتورة كيمبرلي غودزون:
«هناك افتراض خاطئ بأن الوزن سيبقى ثابتاً بمجرد الوصول إليه، لكن الحقيقة أن الجسم يقاوم ذلك بكل ما أوتي من طاقة».
أجسادنا صُممت للبقاء… لا للحِمية
بحسب التقرير، تطوّر جسم الإنسان على مدى آلاف السنين للبقاء على قيد الحياة خلال فترات المجاعة، لا لاتباع الحميات الغذائية الحديثة.
عندما نحاول إنقاص الوزن، يفسّر الجسم الأمر كحالة طوارئ ويبدأ بمحاولة استعادة الطاقة المفقودة عبر إبطاء الأيض وزيادة الإحساس بالجوع.
الأبحاث الحديثة توضّح أن الهرمونات والكيمياء العصبية وتجارب الطفولة المبكرة كلها تسهم في تشكيل الطريقة التي ينظّم بها الجسم وزنه مدى الحياة.
«The Biggest Loser»... تجربة كشفت ما لا نراه 📺
في بداية الألفية، أبهرت برامج تلفزيون الواقع مثل «The Biggest Loser» الجمهور بقصص فقدان الوزن السريع، لكنها كانت أيضاً مادة غنية للبحث العلمي.
ففي دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة Obesity، تتبّع العلماء 14 متسابقاً من البرنامج يعانون من السمنة المفرطة، ووجدوا أن معظمهم استعادوا جزءاً كبيراً من أوزانهم خلال ست سنوات، رغم التزامهم بالعادات الصحية.
كما تبيّن أن معدّل الأيض لديهم انخفض بشكل ملحوظ، أي أن أجسامهم بدأت تحرق سعرات أقل مما كانت تفعل سابقاً.
تشرح غودزون ذلك قائلة:
«بعد فقدان الوزن، يحتاج الشخص إلى تناول سعرات أقل من شخص آخر بنفس الوزن لم يفقدها أصلاً، فقط ليحافظ على نفس الكتلة الجسدية».
إلى جانب ذلك، لوحظت تغيّرات هرمونية مهمة:
-ارتفاع هرمون الغريلين المسؤول عن الجوع،
-انخفاض اللبتين والببتيد YY اللذين يمنحان الشعور بالشبع،
وتستمر هذه التغيرات حتى بعد مرور عام على فقدان الوزن.
الباحث في السمنة في مايو كلينك، الدكتور أندريس أكوستا، يصف هذه الظواهر بـ«التكيّفات الأيضية» التي يستخدمها الجسم للدفاع عن نفسه. ويشير إلى أن جراحات السمنة وأدوية GLP-1 الحديثة يمكن أن تساعد في إعادة التوازن بين الدماغ والجهاز الهضمي، لكن بعض المرضى ما زالوا مترددين في اللجوء إليها.
الجسم لديه «نقطة توازن» ثابتة
واحدة من أبرز النظريات التي تفسّر هذه الظواهر هي نظرية نقطة التوازن (Set-Point Theory)، التي تفترض أن الجسم يمتلك نطاقاً محدداً من الوزن يسعى دائماً إلى العودة إليه، بفضل شبكة من الإشارات الهرمونية والعصبية.
رغم أن النظرية ليست موضع إجماع علمي كامل، ترى غودزون أنها تساعد على فهم صعوبة الحفاظ على الوزن الجديد، خاصة مع وجود أدلة قوية على تغيّر معدّل الأيض بعد فقدان الوزن.
الوصمة الاجتماعية... العائق الخفي
-
الوصمة الاجتماعية تجاه السمنة لا تؤثر فقط في الحالة النفسية، بل أيضاً على استجابة الجسم للعلاج.
يؤكد تقرير ناشيونال جيوغرافيك أن الوصمة الاجتماعية تجاه السمنة لا تؤثر فقط في الحالة النفسية، بل أيضاً على استجابة الجسم للعلاج.
يقول مدير برنامج إدارة الوزن في جامعة ميشيغان، الدكتور أندرو كرافتسون:
«الناس يعتقدون أن أصحاب الأجسام النحيلة يزنون طعامهم ويعدّون كل سعرة حرارية، لكن هذا غير صحيح إطلاقاً».
هذه المقارنات الخاطئة تولّد شعوراً بالعار وتدفع البعض لرفض العلاجات الفعّالة مثل جراحات السمنة أو أدوية GLP-1، معتبرين إياها «طريقاً سهلاً» أو «غشّاً».
تضيف غودزون أن هذا الشعور بالعار تغيّر تدريجياً خلال العقد الأخير:
«في عام 2010، كان كثير من مرضاي يخفون عن عائلاتهم أنهم يتلقّون علاجاً للسمنة. اليوم، بفضل النقاشات المفتوحة عبر وسائل التواصل، أصبح المرضى أكثر جرأة في طلب المساعدة».
لكنها تحذّر من أن التحيّز ضد السمنة في الرعاية الصحية ما يزال قائماً، إذ يُقال أحياناً للمريض الذي يزور الطبيب بسبب نزلة برد إنه يحتاج فقط إلى خسارة الوزن. «هذا النوع من الخطاب يجعل الناس ينفرون من طلب العلاج»، تقول غودزون.
نحو علاج أكثر تخصيصاً
في محاولة لفهم استجابات الأجسام المختلفة، طوّر الدكتور أكوستا اختباراً جينياً لتحديد «نمط السمنة» لدى كل مريض، وقسّمه إلى أربع فئات رئيسية:
الدماغ الجائع: يحتاج إلى مزيد من السعرات للشعور بالشبع.
المعدة الجائعة: يشعر أصحابها بالجوع سريعاً بعد تناول الطعام.
الجوع العاطفي: تناول الطعام استجابةً للمشاعر لا للجوع الحقيقي.
الاحتراق البطيء: تباطؤ معدل الأيض.
من خلال هذا التصنيف، يمكن للأطباء تصميم علاج مخصص دوائياً وسلوكياً لكل حالة، ما يزيد فرص الحفاظ على الوزن على المدى الطويل.
وتشدد غودزون على ضرورة النظر إلى السمنة كمرض مزمن يستحق الرعاية الطبية مثل السكري أو ارتفاع الضغط: «لا نقول لمرضى السكري أن يعالجوا أنفسهم، فلماذا نقول ذلك لمن يعاني من السمنة؟».
من التركيز على الميزان إلى التركيز على الصحة
في ختام التقرير، يلفت كرافتسون إلى أن الهدف من علاج السمنة لا يجب أن يكون مجرد الرقم على الميزان، بل تحسين جودة الحياة.
فالسمنة ليست نتيجة سبب واحد، بل مزيج معقّد من العوامل البيولوجية والبيئية والنفسية.
«بيئتنا الحالية لا تخدم صحتنا، وتغييرها يتطلب استثماراً حقيقياً في الغذاء والنشاط والوعي»، يقول كرافتسون.
الخلاصة
ليست مقاومة الجسم لخسارة الوزن فشلاً في الإرادة، بل آلية بقاء تطوّرت لحمايتنا من المجاعة. لكن مع الفهم العلمي الأعمق، والعلاج الشخصي، والدعم النفسي، يمكن تحويل هذه المعركة إلى تعاون متناغم مع الجسم بدلاً من صراعٍ ضده.
