لماذا يسهل البوح بلغة ثانية؟
لماذا يسهل التعبير عن المشاعر بلغة ثانية؟ اكتشف/ي مفهوم «المسافة العاطفية» وكيف تمنح اللغة الأجنبية مساحة آمنة للبوح مقارنةً باللغة الأم


ربما لاحظت أنّ التعبير عن مشاعر حسّاسة يصبح أسهل عند استخدام لغة ثانية، كالفرنسية أو الإسبانية أو الإنكليزية، أو أيّ لغة اكتسبتها لاحقاً في حياتك. هذه الظاهرة شائعة بين ثنائيّي اللغة، وتبدو متناقضة للوهلة الأولى: أليست لغة الطفولة الأقرب إلى القلب؟ إلا أنّ علمَي النفس والألسنيات يقدّمان تفسيراً أكثر عمقاً يعتمد على «مكان» تشكّل المشاعر داخل اللغة، وليس فقط على الكلمات نفسها.
المسافة العاطفية
يشير باحثون في علم النفس اللغوي إلى مفهوم يُعرف بـ«المسافة العاطفية» (Emotional Distance)، أي إنّ اللغة الثانية تحمل شحنة وجدانية أقل مقارنةً بلغة الطفولة.
فوفقاً لدراسة نشرتها «جامعة بروكسل الحرة» (Vrije Universiteit Brussel)، ترتبط اللغة الأم بشكل وثيق بذكريات الطفولة الأولى وما تحمله من روابط عائلية وخبرات حسّية، بينما تُكتسب اللغة الثانية في سياق محايد عاطفياً مثل المدرسة أو العمل.
النتيجة؟ الكلمات في اللغة الثانية تبدو أكثر تجريداً وأقل ارتباطاً بالذكريات المؤلمة، ما يجعل التعبير بها أقلّ إحراجاً أو ألماً. ولهذا يشبّه الباحثون هذه العملية بالتحدّث من خلف «زجاج عازل» للمشاعر: أنت تعبّر… ولكن دون الانكشاف الكامل.
التحرّر الثقافي… كل لغة تصنع نسخة مختلفة منك
خلف كل لغة نظام كامل من القيم الاجتماعية وقواعد التعبير العاطفي. في هذا السياق، تشير الباحثة المتخصّصة في ازدواج اللغة والعاطفة، أنيتا بفلنكو، إلى أنّ كثيراً من ثنائيّي اللغة يشعرون بأنّ لغتهم الثانية تمنحهم «حرية شخصية» تفتقرها لغتهم الأم. ويعود السبب إلى أنّ هذه الأخيرة غالباً ما ترتبط بمنظومة اجتماعية تفرض ما هو «لائق» وما هو «مبالَغ فيه» عند الحديث عن المشاعر.
أما اللغة الثانية، فتتيح مساحة للتحرّر من هذه القيود، وقد تمنح صاحبها شخصية مختلفة نسبياً — أكثر جرأة وأقلّ خوفاً من الأحكام الاجتماعية. تظهر هذه الظاهرة بوضوح في شهادات مهاجرين يستخدمون لغتهم الثانية لسرد تجارب الماضي الأليمة لأنّ تلك اللغة تمنحهم مسافة نفسية من الذكريات.
اللغة الثانية وسيلة حماية
في العلاقات العاطفية أو في الحديث عن تجارب شخصية حسّاسة، يميل كثير من ثنائيّي اللغة إلى استخدام اللغة الثانية لأنّها لا تستدعي ذاكرة الطفولة وخبرات الماضي.
وجدت دراسة نُشرت في Journal of Pragmatics أنّ الأشخاص يعتذرون ويبوحون عاطفياً بسهولة أكبر عندما يستخدمون لغة غير اللغة الأم، لأنّ اللغة الثانية تخفّف من حدّة التفاعل العاطفي وتقلّل القلق من الرفض أو سوء الفهم.
ومع ذلك، تظهر مفارقة لافتة: في لحظات الحزن أو الحنين العميق، يعود كثيرون تلقائياً إلى اللغة الأم لأنّها لغة الدفء والانتماء والأسرة.
الإنكليزية… مثال واقعي متكرّر
في دراسات عدّة، ذُكرت الإنكليزية باعتبارها مثالاً شائعاً على لغة ثانية تساعد في «تخفيف حدّة الشعور» أثناء التعبير.
ففي بحث أجرته «جامعة شيكاغو»، تبيّن أنّ اتخاذ القرارات العاطفية أو الاعتراف بمشاعر حسّاسة يكون أسهل بالإنكليزية لدى ثنائيّي اللغة لأنّها لغة تعليمية مكتسبة لا تحمل بصمة الذاكرة العائلية. لكن النتيجة نفسها تنطبق طبعاً على أيّ لغة ثانية تُكتسب في سياق محايد.
