الثقافة في صلب التعافي اللبناني
أطلق وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة يوم الثلاثاء الفائت «استراتيجية الصناعات الثقافية والإبداعية في لبنان» بوصفها خطوة وطنيّة تهدف إلى إعادة وضع الثقافة في قلب مشروع التعافي الاقتصادي والاجتماعي


أطلق وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة يوم الثلاثاء الفائت «استراتيجية الصناعات الثقافية والإبداعية في لبنان» بوصفها خطوة وطنيّة تهدف إلى إعادة وضع الثقافة في قلب مشروع التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وتثبيت دورها كعنصر أساسي في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز الهوية الوطنية. جاء الإعلان عن الاستراتيجية من مقر المكتبة الوطنية في الصنائع، في حضور رسمي وثقافي واسع.
ترتكز هذه الاستراتيجية على رؤية شاملة تعتبر أن الثقافة ليست قطاعاً هامشياً أو ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل هي ركيزة من ركائز المقاومة والصمود والتماسك المجتمعي. وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، أثبتت القطاعات الثقافية والإبداعية قدرتها على الاستمرار بفضل جهود المبدعين والمؤسسات الثقافية، رغم الانهيار الاقتصادي والمالي والدمار الذي أصاب عددًا كبيرًا من المواقع والمؤسسات الثقافية.
مسار تشاركي لصياغة الاستراتيجية
تُعدّ هذه الاستراتيجية ثمرة مسار تشاركي واسع أطلقته وزارة الثقافة عبر سلسلة ورش عمل ولقاءات امتدت على مدى أسابيع، شارك فيها مئات المبدعين والفاعلين الثقافيين من مختلف المناطق والاختصاصات، وقد وضع أصحاب الاختصاص رؤيتهم وعرضوا مشاكلهم والمصاعب التي يواجهونها. وقد هدفت هذه اللقاءات إلى مناقشة الفرص والتحديات التي تواجه القطاع، واقتراح مبادرات واقعية قابلة للتنفيذ، إضافة إلى دراسة القوانين القائمة والجهود السابقة في هذا المجال.
أسهم هذا المسار التشاركي في بلورة رؤية متكاملة تستند إلى احتياجات القطاع نفسه، وتضع أسساً لسياسات ثقافية حديثة تأخذ في الاعتبار التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، كما تسعى إلى تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
تسعة قطاعات ثقافية وإبداعية
تشمل الاستراتيجية تسعة قطاعات رئيسية تشكّل العمود الفقري للصناعات الثقافية والإبداعية في لبنان، وهي التراث، والمتاحف، والنشر، والمكتبات العامة، والموسيقى، والفنون السمعية البصرية، وفنون الأداء، والفنون البصرية، والتصميم. وتمثّل هذه القطاعات شبكة مترابطة تسهم في إنتاج المعرفة والذاكرة والهوية، وتؤدي دوراً اقتصادياً متنامياً من خلال خلق فرص العمل وتعزيز الإنتاج الثقافي.
وقد اعتمدت الوزارة مقاربة متوازنة في تعريف الصناعات الثقافية والإبداعية، بحيث تشمل مجالات الفنون والإنتاج الثقافي الأساسية، من دون توسيعها إلى قطاعات أخرى مثل فن الطهي أو الألعاب الإلكترونية، وذلك بهدف تركيز الجهود على المجالات الأكثر ارتباطاً بالدور الثقافي والاقتصادي المباشر.
الثقافة كرافعة للتعافي الاقتصادي
تؤكد الاستراتيجية أنّ الصناعات الثقافية والإبداعية قادرة على الإسهام في تنشيط الاقتصاد اللبناني، إذ تشير الدراسات إلى إمكانية رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5 في المئة، وتوفير ما يقارب 100 ألف فرصة عمل. كما يتميز هذا القطاع بقدرته على النمو من دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في المواد الأولية أو البنية التحتية الثقيلة، ما يجعله قطاعاً مناسباً لاقتصاد يعاني من نقص في الموارد.
وتسعى الوزارة إلى تحويل الثقافة إلى عنصر فاعل في عملية التعافي الاقتصادي من خلال دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير برامج تدريب وبناء قدرات، وتسهيل الإجراءات الإدارية والقانونية، إضافة إلى تعزيز الاستثمار المحلي والدولي في المشاريع الثقافية.
تطوير الأطر التشريعية والتمويل
تتضمن الاستراتيجية مجموعة من الإجراءات العملية لتطوير البيئة القانونية والتنظيمية للقطاع، من خلال تحديث القوانين والأنظمة المتعلقة بالملكية الفكرية، وتنظيم المهن الثقافية، وتسهيل إنشاء المؤسسات الثقافية. كما تركز على تحسين الوصول إلى التمويل عبر إنشاء حاضنات ومسرّعات أعمال ثقافية تساعد المؤسسات الناشئة على إعداد خطط عمل مستدامة وجذب الاستثمارات.
وتشمل الخطة أيضاً برامج لتعزيز اللامركزية الثقافية وتوسيع النشاط الثقافي خارج العاصمة، ودعم المكتبات العامة والمتاحف والمسارح في المناطق، بما يساهم في تعزيز المشاركة الثقافية في مختلف أنحاء البلاد.
استثمار في الإنسان والمستقبل
تؤكد وزارة الثقافة أنّ هذه الاستراتيجية ليست مجرد وثيقة نظرية، بل خارطة طريق تهدف إلى تحويل الثقافة إلى قوة منتجة تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. فالاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية هو استثمار في الإنسان اللبناني، وفي قدرته على الابتكار والإنتاج والبقاء في وطنه بدل الهجرة.
ومن خلال هذه المبادرة، تسعى الوزارة إلى ترسيخ ثقافة حيّة تنطلق من التراث والذاكرة، وتتجه نحو المستقبل بروح الابتكار والانفتاح، بما يجعل الثقافة رافعة أساسية للتنمية المستدامة ولإعادة بناء صورة لبنان كمساحة للإبداع والحياة.
