السودان مؤجّل عن الحياة… مرة ثالثة
إعلان مجلس أمناء «جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي» عن استمرار تعليق فعالياتها في الخرطوم، في ظل الحرب الدائرة.


في روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال»، يقول الأديب السوداني الطيب صالح «لو أن كل إنسان عرف متى يمتنع عن اتخاذ الخطوة الأولى لتغيرت أشياء كثيرة». عبارةٌ تستعاد اليوم فيما يبدو السودان عاجزاً عن كبح «الخطوة الأولى» للمقاتلين في مسار حرب تتوالد فصولها، وتتوغل أكثر في قتل هذه الأرض الطيبة وأهلها، بما تخلفه من مجازر وحصار ونزوح. حتى كاد العالم ينسى أن لهذه البلاد هوية ثقافية واجتماعية، ووجهاً آخر غير الحرب؛ وجهاً إنسانياً يحتجب مرة جديدة مع إعلان مجلس أمناء «جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي» عن استمرار تعليق فعالياتها في الخرطوم، في ظل الحرب الدائرة.
تزامن صدور البيان مع اقتراب الذكرى السابعة عشرة لرحيل «عبقري الرواية العربية» الطيب صالح، الذي أسهم في التعريف بالأدب والثقافة السودانيين في أنحاء العالم، عبر رواياته وقصصه التي شكلت قريته «ود حامد» مسرحاً لمعظمها، والتي تُرجم عدد منها إلى لغات عدة، فتحول اسمه إلى علامة فارقة في المشهد الثقافي للأرض السمراء وفي السرد العربي الحديث عموماً. حمل صالح طوال حياته، هم التعريف ببلاده، حتى كاد أن يُعرَف الوطن به بقدر ما عُرف هو بوطنه.
قرار الاستمرار في تعليق الجائزة يأتي امتداداً لمسار بدأ في نيسان (أبريل) 2023، مع اندلاع الحرب، حين بات تنظيم الأنشطة المصاحبة للجائزة في الخرطوم متعذراً بفعل الصعوبات الأمنية واللوجستية وانقطاع قنوات التواصل، ليعلن تأجيل الدورة الرابعة عشرة «لأجل غير مسمى». وكانت الدورة الثالثة عشرة آخر نسخة أُقيمت في الخرطوم قبل الحرب، وقد شهدت مشاركة واسعة تجاوزت 700 عمل روائي من داخل السودان وخارجه، ما عكس المكانة التي رسختها الجائزة عربياً.
وأكدت أمانة الجائزة في بيانها على «الحرص التام» على استمرار رسالتها الثقافية، ولا سيما في تعزيز الحوار ومناهضة خطاب الكراهية والإقصاء، مشددة على أن استئناف الفعاليات سيبقى رهناً بـ«تهيؤ الظروف». كما اعتبر مجلس الأمناء أن عودة الموسم الثقافي ليست ترفاً، بل «أكثر من ضرورية» للإسهام في ترميم ما أصاب المؤسسات الثقافية من خراب، من متاحف ومكتبات ومسارح، في مشهد يعكس حجم الخسارة التي لحقت بالحياة العامة في البلاد.
جائزة الطيب صالح كأعماله كانت تعبيراً عن الضيق بجهل كثيرين بأدب السودان وثقافته، فجاءت كتابته تعريفاً بذاتها، تمرر مفردات البيئة السودانية ومفاهيمها وشخصياتها إلى المتن العربي والعالمي، قبل أن تأتي الحرب، فترتبط صورة السودان وأهله في نشرات الأخبار بالمجازر والاقتتال الأهلي، بدل أن تقترن بأدبه وفنونه وشخصياته التي نحتها.
