ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

محمود درويش في موسكو: لا تعتذر عما فعلت

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

خشينا أن نتأخر على الفعالية بسبب أزمة الطرق المعتادة في مساءات موسكو، وبالمحصّلة حضرنا مبكرين جداً

كفى الزعبي
كفى الزعبي
الأربعاء 18 شباط 2026
محمود درويش في موسكو: لا تعتذر عما فعلت
الخط

خشينا أن نتأخر على الفعالية بسبب أزمة الطرق المعتادة في مساءات موسكو، وبالمحصّلة حضرنا مبكرين جداً. كانت القاعة، التي صُفّت فيها المقاعد لا تزال فارغة. قاعة في واحد من المسارح الكبيرة في موسكو. «لا بأس! فالحضور مبكراً سيوفّر علينا الاعتذار من محمود درويش»، قلنا مازحين، ذلك أن الفعالية تخصّه: احتفال إشهار وتوقيع ديوان يحوي مجموعة من قصائده المترجَمة إلى اللغة الروسية، ويحمل عنوان «لا تعتذر عما فعلت». كان ذلك قبل أيام، في 11 شباط (فبراير) 2026.

شيئاً فشيئاً بدأ الحضور بالتوافد. غالبيتهم من الشباب الروس. «جميل!» قلت في نفسي، ذلك أن الشباب يبعث عادةً على أمل ما، قد تدري، وأحياناً، لا تدري ما هو. ثمَّ حضر المترجم: كيريل كورتشاغين، شاعر روسي، ناقد أدبي ومسرحي، مستشرق يدرّس اللغة العربية في جامعتين في موسكو. جلس على أحد المقعدين قبالة الجمهور وإلى جانبه جلست لينا غيمون، المستشرقة والمترجمة والباحثة في الثقافة والأدب العربيين، التي تدّرس أيضاً اللغة العربية.

بتسجيل صوتي بدأ الاحتفال الشاعر فلاديمير كوشيليوف، رئيس قسم الأدب والشعر الكلاسيكي في دار نشر «ايكسمو» – الدار العريقة التي صدر عنها الديوان. قال إنّ درويش واحد من الشعراء العالميين الذين أثّرت إبداعاتهم في الوجدان الإنساني عموماً، وإن صدور هذا الديوان يشكّل إثراءً للمكتبة الروسية. ثمَّ انتقل الحديث للمترجم، كورتشاغين. أدهشني في لحظة أن أسمعه يقول إنّ: «أول مرة قرأت فيها شعر محمود درويش كان عمري ستة عشر عاماً. قرأته باللغة الروسية، وكانت الترجمة سيئة. لكنني أثناء القراءة كنت أشعر أن ثمَّة ما هو عميق في هذا الشعر، إنما أسيئت صياغته». جملة أو معلومة تعبّر عن مفارقة مثيرة: أن تنتصر روح الشعر على اللغة، على جسد الشعر المنسوج أولاً وأخيراً من الكلمات. هذا هو محمود درويش إذن. قادر بشعره على الوصول إلى المتلقي، حتى وإن تُرجم بلغة لا ترتقي للغته، بل وتتخلف عنها كثيراً.

كانت آخر مرة تُرجم فيها شعر محمود درويش إلى اللغة الروسية في عام 1987، أي أن قرابة ثلاثين عاماً مرَّت منذ ذلك الحين. لم ينطفئ أثناء هذه العقود الاهتمام بترجمة محمود درويش أو بترجمة الشعر العربي الحديث وحسب، بقدر ما انطفأ أيضاً الاهتمام بترجمة الأدب العربي بالعموم. لهذا فإن صدور هذا الديوان، بعد تلك السنين الطويلة يُعدّ حدثاً ثقافياً مهماً، يبعث على الأمل بنهوض حركة ترجمة الأدب العربي إلى الروسية، «ويشير إلى أن المترجم الروسي لم يمت ولا يزال حياً»، كما قالت يلينا غيمون، أثناء مشاركتها في تقديم الديوان.

ضمّ الديوان مختارات من شعر محمود درويش، عمل كيريل كورتشاغين على ترجمتها على مدار عشر سنوات، واختارها من أشعار درويش التي كُتبت بعد عام 1992، لكنه افتتح الديوان بقصيدة «سجّل أنا عربي»، التي تنتمي إلى بدايات الشاعر (كُتِبَت عام 1964). تبدو هذه القصيدة في بداية الديوان المترجم كما لو أنها بطاقة تقدّم درويش إلى القارئ الروسي: «أنا عربي». بغضّ النظر عن موقف درويش ذاته من هذه القصيدة، التي قال إنه بات لا يحبها، فقد أصبحت، وبمعزل عنه، بطاقة هويته بالفعل، اختزلت منذ البدء تراجيدية وجوده كفلسطيني احتُلَّت أرضه وقُتل شعبه، وشُرّد منها، قبل أن تكون قصيدة تنبئ عن ولادة شاعر عظيم. إنها الرحم الذي وُلِدَ منه درويش، وراح يكبر بسرعة كشاعر تاركاً تلك «الطفولة» خلفه. يلفت كورتشاغين انتباه الحضور لحيثية: في الواقع كان لون عيني درويش أزرق، لكنه في هذه القصيدة يقول: «ولون عيني.. بني!». هي إذن الـ«أنا» الفلسطينية الكلية، التي تجسَّدت شعراً، وليست «أنا» درويش الخاصَّة. وأفكر: أصبح، كما يتساءل في قصيدة «لا تعتذر عما فعلت»: «أهو الذي قد كان أنت.. أنا؟».. هو الذي لم يعد هو. هو الذي ربّته الرياح.

بعد «سجّل أنا عربي»، ينتقل كورتشاغين مباشرة إلى قصائد من ديوان «أحد عشر كوكباً»، ثمَّ من ديوان «لا تعتذر عما فعلت»، وأخيراً بعض القصائد من ديوان «كزهر اللوز أو أبعد». من البدايات التي حفر فيها درويش في ذاكرة الشعر رقم هويته، وثبّت لون عينيه، ورسم ملامحه المعرضة لخطر المحو، والإلغاء، إلى «لا تعتذر عما فعلت»، ثمَّة تطور هائل حدث على تجربته الشعرية. عن هذا التطور يقول كورتشاغين: «أصبحث النظرة الفلسفية واضحة في أشعاره، وصار الزمن، وموقعه فيه – أي موقع درويش – موضوعاً رئيساً في قصائده. هذا فضلاً عن قدرة درويش على الانتقال في شعره من الخاصّ إلى العام، الأمر الذي يبدو مثيراً وملهماً للشعر والشعراء الروس». تجلّى هذا التطور في مجازات وصور فنية مركّبة ومعقّدة، في لغة درويش، لهذا تطلبت هذه الترجمة من كيريل كورتشاغين، كما شرح، جهداً كبيراً واستثنائياً كي ينقل هذا العالم الشعري الغني والعميق، بأمانة عالية من دون أن يحيد عن معايير الشعر وشروطه في اللغة الروسية.

أصغيت إليه وهو يقرأ بعض القصائد باللغة الروسية ورأيت شعراً يطل ليس بروحه فقط بل بجسد من لغة هي أقرب ما تكون للغة وبلاغة درويش. قلت له في تعليقي مهنئة: «لقد نجحت». لينا غيمون تحدثت أيضاً في مداخلتها عن الجهد الكبير الذي بذله كيريل، وعن دقة ترجمته، كما تحدثت عن مكانة درويش في الشعر العربي، وعن تحوّله إلى ظاهرة شعرية تركت تأثيراً كبيراً في الشعراء الذين لحقوه من العرب.

الأمر المؤسف الوحيد في هذه الفعالية التي كان درويش والشعر العربي والثقافة العربية أبطالها، أن يقتصر الحضور العربي علينا، أربعة فقط: اثنان من الأردن، لبناني واحد، وفلسطيني واحد. غريب! فالعرب، المثقفون أو المهتمّون بالثقافة، أو الذين يردّدون كلمات درويش، يملؤون موسكو. أين هم؟ ثمَّ إن خبر هذا الحفل – الحدث حتماً وصل إلى مكاتب القنوات الفضائية العربية في موسكو، أو وصل على الأقل إلى بعضها، لكنني لم أرَ أي فريق اعلامي جاء ليغطيه. لم أفهم السبب، وكلما حاولت التكهّن به، خطر ببالي أننا لا نفتأ نغرق ونغرق «في حضرة الغياب». ظلت كثير من المقاعد في القاعة فارغة. هي ذاتها مقاعد العرب التي ستظل أو ستغدو فارغة في التاريخ، وليس ثمة من يعتذر عما فعل.

*روائية أردنية

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك