ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

البحث عن الذات والعدالة المفقودة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

تطرح رواية «نظرة الأعمى» le regard de l'aveugle للأديب السنغالي مامادو سامب والتي نقلها إلى اللغة العربيّة الشيخ الكاتب محمد أسعد قانصو

نازك بدير
نازك بدير
الأربعاء 18 شباط 2026
البحث عن الذات والعدالة المفقودة
الخط

تطرح رواية «نظرة الأعمى» le regard de l'aveugle للأديب السنغالي مامادو سامب والتي نقلها إلى اللغة العربيّة الشيخ الكاتب محمد أسعد قانصو إشكاليّة البحث عن الذات، وصراع الإنسان مع القدر.

ينفتح السرد على مشهد أوليماتا وهي على سرير المشفى، وتنتهي الرواية وهي على السرير نفسه. نشأت أوليماتا أو «أولي» في قرية تيينفالا-مالي وتعرّضت، كما سائر بنات مجتمعها، إلى الختان الفرعوني. التعدّي على حريّتها وجسدها وقرارها كان من أقرب الناس إليها، ليقول الكاتب- بطريقة غير مباشرة- إنّ العائلة مسؤولة إلى حدّ كبير عن تشويه مستقبلها. يُتَّخذ القرار باختيار مستقبل زواج طفلة لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات، وتأطيرها في هذه الخانة، وحرمانها من حقّها في الحياة الطبيعيّة. تُساق إلى طقوس الختان كالكبش يوم الذبح. يصوّر الكاتب مشهد النسوة المتحلّقات حول أم النساء المسؤولة عن الختان، وكأنهنّ حقّقن انتصارًا، ولكن أيّ انتصار؟

تُظهِر هذه الرواية كيف تقبض بعض المجتمعات، في القرن الحادي والعشرين، بمخالبها على الأنثى، وتحاول خنْقها منذ الصغر، وتنظر إليها بعين الجريمة، وتحتقرها، وتعاملها بدونيّة، وتحاسبها من دون التحقّق من الأسباب. دانفا، والد أوليماتا، هو سندها في العائلة، أرسلها لتتعلّم في المدينة، لكن القدر كان بالمرصاد، يتأزّم مجرى السرد. ثمّة لعنة مزدوجة: تفقد أولي فرصة تطوير حياتها، والانتقال إلى مربّع النور، وفي الوقت نفسه، يفقد معظم أهل القرية البصر. عند إدراك حقيقة ما حلّ بوالدها وبالآخرين، ترفض الاستسلام، تأخذ بيد أبيها وعكّازه، وتبدأ رحلة الجلجلة، إلى داكار حيث المصير المشؤوم.

في كلّ مرّة حاولت التقدّم، كان القدر أسرع منها؛ ينتزع منها قطعة، يشوّهها، ويستحيل أن تسترجعها. بفقْدها، تدرك أنّها خسرت معركة جديدة في سلسلة خيباتها المتلاحقة. غير أنّها لم تنكسر، بل أصرّت على التقدّم بحثًا عن بصيص نور.

«نظرة الأعمى» هي صرخة الإنسان المقهور الذي وقع عليه ظلْم المجتمع منذ نعومة أظافره. تقرّ الرواية أنّ قوانين الغاب هي الفاعلة والحاكمة، لا صوت يعلو فوق صوت القوّة، في القرية أم في المدينة لا مكان سوى للأقوياء. طرف واحد هو من يتحكّم بسيرورة الأحداث، ويمسك بزمام الأمور. الفاعل الرئيس هو الاستبداد. عالم يهيمن عليه التغوّل، لا مكان فيه للضعفاء. انعدمت الإنسانيّة. المعاناة التي يرسمها الراوي ليست خاصّة بمالي أو السنغال فحسب، إنّما هي تحدث في كلّ مجتمع لا تزال يحتكم للمظاهر، وللعادات الجائرة. صحيح أنّنا في عصر الثورة الرقميّة، لكن في مناطق كثيرة من هذه المعمورة، وفي أحياء داخل عواصم عربيّة وأجنبيّة، تتّقد بؤر الفقر والفساد، وتسحق- بلا هوادة ولا رحمة- الأفئدة قبل العظام، حيث تحكم قوانين الكبار، ومثلّث السلطة والمال والجهل، وتُغتَصب الحريّة والإرادة. ولكنْ، هل من يسأل عن كيان الإنسان وجوهر وجوده؟ وعمَّ يريد؟ كم من أوليماتا في مجتمعنا ولم يكتب أحد عن معاناتها، ولم تفصح هي عن أوجاعها ونزيفها وجراحاتها التي لم ولن تندمل؟ وكم من دانفا كان العمى هبة الله ليكفّ بصره عن رؤية المتآمرين من حوله؟ هذه الرواية هي مواجهة مفتوحة مع المجتمع المتحجّر بحثاً عن عدالة، هي صراع ضدّ مختلف أنواع الاستغلال الفكري والنفسي والعاطفي والإنساني. هل الأعمى هو دانفا أم المجتمع الغارق بالتمييز والطبقيّة، والمتشبّث بالعادات المتخلّفة؟

تشير البنية السطحيّة إلى أنّ الشخصيّات النسويّة في الرواية تضطلع بالقرارات، سواء أكانت مدمّرة متهوّرة، أم حكيمة متّزنة- وإن لم تنسجم مع رغبة الشخصيّة نفسها- مع العلم أنّ مسار الأحداث تصاعد بناء على تلك القرارات. غير أنّ البنية العميقة، في الحقيقة، تظهر العكس تمامًا؛ ثمّة ما يجبر المرأة في المجتمع المتخلّف على التقولب ضمن إطار معيّن، ويمنعها من الخروج عنه، وإلّا، سيعدّ ذلك تمرّدًا وعصيانًا. وعندما تُعطَى "صلاحيّة اتخاذ القرار"، فهي في الواقع تُنفّذ ما توافق عليه العرف والتقليد، لا ما تريده. وبذلك، هي لا تقرّر، بل تردّد ما فرضه المجتمع، وتبقى ضمن حصار الشرنقة.

يمكن القول، إنّ «نظرة الأعمى» المنقولة إلى العربيّة، جاءت بلغة متناسبة مع النصّ الأصلي، وحافظت على جوهره، إذ استطاع الشيخ الكاتب محمد قانصو، في مواضع كثيرة، ولا سيّما في الوصف، أن يأخذنا إلى دواخل الشخصيّات، وجعلنا نختبر ما اختبرته؛ إذ تكثر في الرواية العلامات الشميّة والسمعيّة، فيجد المتلقّي نفسه، في خلال عمليّة القراءة يتفاعل مع المشهد، تصل إليه الروائح والأصوات والتفاصيل المتعلّقة بالذاكرة البصريّة والشميّة، فيشعر وكأنّه يعيش في داخل العالم الروائي (رائحة الجرح، نكاد نستنشق رائحة المواد الكيميائية، والروائح المنبعثة من غرفة أومي، ونسمع تدريبات الفرقة الفنيّة، وصوت العصا، أصوات الباعة والضجّة والروائح في سوق سانداغا).

في المحصّلة، يشكّل هذا الكتاب خطوة في عالم تجسير المعرفة والانفتاح على الآخر، وإعطاء الفرصة للتعرّف على الحضارة والعادات والتقاليد والفنون من خلال ترجمة الأدب الإفريقي، كما سائر ألوان الأدب عامة.

باحثة وأكاديميّة

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك