ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

يورغن هابرماس: الفيلسوف الذي راهن على قوة الحوار

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

برحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، يطوى فصل كامل من تاريخ الفكر الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.

يوسف يونس
يوسف يونس
الإثنين 16 آذار 2026
يورغن هابرماس: الفيلسوف الذي راهن على قوة الحوار
الخط

برحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في الرابع عشر من آذار (مارس) 2026K ، يطوى فصل كامل من تاريخ الفكر الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد ركّز هابرماس، خلال أكثر من ستة عقود، على فكرة أن العقل قد يكون قادراً على تنظيم الحياة المشتركة بين البشر، وأن الحوار العقلاني يمكن أن يشكّل أساساً للشرعية السياسية والأخلاقية. من هذا المنطلق نشأ مشروعه الفلسفي الواسع، الذي سعى إلى إعادة بناء العلاقة بين العقل والأخلاق والديمقراطية عبر ما سماه «العقلانية التواصلية»، أي الفكرة القائلة إن شرعية القوانين والمعايير الاجتماعية لا تنبع من السلطة أو القوة، بل من قدرتها على الصمود أمام نقاش عقلاني حر بين مواطنين يعترف كلٌّ منهم بالآخر كفاعل أخلاقي مستقل.

العقلانية التواصلية وإعادة بناء مشروع الحداثة

ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من «مدرسة فرانكفورت»، التي ضمّت مفكّرين مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، إلا أنه اختار مساراً مختلفاً عن التشاؤم الذي طبع أعمال الجيل الأول. فبينما رأى هوركهايمر وأدورنو أن العقل الحديث (العقل الأداتي) قد أصبح أداة للسيطرة والهيمنة، بحث هابرماس عن مكان آخر للعقل يقوم على التواصل ويجد أساسه في اللغة والحوار بين البشر. وحاول، من خلال مشروعه، إعادة بناء أسس الحداثة نفسها بعد أن بدا لبعض المفكّرين في النصف الثاني من القرن العشرين أن إمكاناتها الأخلاقية قد استُنفدت. ففي «نظرية الفعل التواصلي» يوضح هابرماس كيف يمكن للحوار العقلاني أن ينظم التعاون الاجتماعي ويؤسّس لشرعية الأخلاق والسياسة، بينما يبيّن في «التحول البنيوي في المجال العام» كيف يتيح النقاش العام للمواطنين المشاركة في صنع القرارات وممارسة الرقابة، بما يدعم الشرعية الديمقراطية.

هابرماس بين مدرسة فرانكفورت ونقد العقل الأداتي

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى فلسفة هابرماس بوصفها تأملاً طويلاً في شروط التواصل الإنساني ذاته، ومحاولة للإجابة عن أسئلة من مثل: كيف يمكن للبشر أن يتفاهموا؟ وكيف يمكن أن تنشأ الشرعية السياسية في مجتمعات تعددية تجمع بين رؤى أخلاقية وثقافية مختلفة؟ ومن هنا جاء اهتمامه بالعلاقة بين الخطاب العقلاني والمؤسسات الديمقراطية، حيث رأى أن القانون والسلطة السياسية لا يكتسبان شرعيتهما إلا عندما يكونان نتيجة عمليات تداولية مفتوحة يشارك فيها المواطنون كشركاء متساوين في النقاش العام.

العدالة بين رولز وأمارتيا سِن: مقاربات موازية

وقد تكون مفيدة في هذا السياق مقارنته بأبرز المفكّرين المعاصرين له، مثل جون رولز وأمارتيا سِن. وضع رولز نظرية في العدالة بوصفها إنصافاً، تقوم على صياغة مبادئ عامة يمكن أن يوافق عليها جميع الأشخاص العاقلين في «الوضع الأصلي». يتأمل الأفراد المبادئ التي يجب أن يتفقوا عليها وراء حجاب من الجهل بكل ما يمكن أن يؤثر في اختياراتهم. وتتمثل هذه المبادئ في مبدأ المساواة في الحريات الأساسية ومبدأ التفاوت العادل؛ أي إن أي تفاوت اجتماعي أو اقتصادي يجب أن يكون في مصلحة الأقل حظاً في المجتمع. قد تحدد هذه المقاربة المبادئ العامة التي يمكن أن يتوصل إليها الأفراد، لكنها لا تركّز على كيفية توليد شرعية هذه المبادئ من خلال النقاش العملي بين المواطنين، أو على كيفية تطبيقها في مجتمعات حقيقية ومتعددة الرؤى، وهو ما يميّز عقلانية هابرماس التداولية التي تعطي أهمية أكبر لآلية الحوار والنقاش في بناء الشرعية العملية للمعايير الأخلاقية والسياسية.

أما أمارتيا سِن فيرى العدالة بوصفها قدرة الأفراد على ممارسة خياراتهم الأساسية وتطوير قدراتهم الفعلية، بما يشمل المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والعيش بحرية وكرامة. فالعدالة، بحسب سِن، لا تتحقق بمجرد صياغة مبادئ عامة، بل عبر تمكين الأفراد من الوصول إلى الفرص والقدرات التي تجعل هذه المبادئ قابلة للتطبيق. ويبرز بذلك البعد العملي للعدالة، ويقارب اهتمام هابرماس بتطبيق العدالة عملياً، مع اختلافه في أن هابرماس يعطي الأولوية للنقاش العقلاني كأساس للشرعية، بينما يركّز سِن على النتائج والقدرات العملية أكثر من العملية النقاشية نفسها.

حدود العقل التداولي في عالم الصراعات

إن قراءة إرث هابرماس اليوم لا يمكن أن تكون مجرد استعراض لإنجازاته الفلسفية، بل لا بد من مساءلة الفيلسوف الذي رحل في لحظة تاريخية يبدو فيها الأمل بالعقل التداولي أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد أثارت مواقفه السياسية في السنوات الأخيرة، بعد أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة، جدلاً واسعاً، وخصوصاً بين قرائه العرب؛ إذ بدا أن الفيلسوف الذي بنى مشروعه على العالمية الأخلاقية وعلى ضرورة إخضاع السلطة للنقاش العقلاني قد اتخذ مواقف يصعب التوفيق بينها وبين تلك المبادئ. وقد أثار هذا التناقض تساؤلات حول مدى إمكان تطبيق شروط الخطاب العقلاني في سياقات الصراعات الحادة، حيث يحول التفاوت الكبير في القوة واستبعاد المتأثرين مباشرة من النقاش دون الاقتراب من الشروط التي يفترضها النقاش العقلاني المتكافئ.

فالعقلانية التواصلية عند هابرماس تقوم على افتراض إمكان مشاركة جميع المعنيين في نقاش حر ومتساوٍ من حيث المبدأ، بحيث لا تُحسم القضايا بالإكراه بل بقوة الحجة الأفضل. غير أن هذا الافتراض المعياري يصطدم في الواقع السياسي بصعوبات كبيرة في صراعات مثل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث يؤدي الاختلال الهائل في موازين القوة وقمع الفلسطينيين وتهميشهم واستبعادهم فعلياً من مراكز القرار السياسي إلى جعل المسافة بين الشروط المثالية للنقاش العقلاني والواقع القائم صعبة التجاوز.

وربما يشير هذا الخلل أيضاً إلى حدود الأفق التاريخي الذي تشكّلت فيه فلسفة هابرماس نفسها. فقد نشأ مشروعه الفكري في سياق إعادة تفكير أوروبا في مصير الحداثة بعد الحرب العالمية الثانية، تحت تأثير تجربة الفاشية والمحرقة من جهة، ومحاولة إعادة بناء الديمقراطية والمجال العام في ألمانيا الغربية من جهة أخرى. غير أن هذا الأفق التاريخي، على أهميته، انطلق أساساً من تجربة أوروبية محددة في مواجهة أزمات الحداثة، مما يثير سؤالاً حول مدى قدرة هذا الإطار النظري، رغم طموحه الكوني، على استيعاب صراعات تاريخية أخرى، ولا سيما تلك المرتبطة بتاريخ الاستعمار واختلال موازين القوة على المستوى العالمي.

وفي نهاية المطاف، يظل هابرماس أحد آخر الفلاسفة الذين آمنوا بقدرة العقل العمومي على تنظيم الحياة السياسية الحديثة. لقد أمضى حياته الفكرية مدافعاً عن أن البشر قادرون، إذا توفرت لهم شروط الحوار الحر والمتكافئ، على الوصول إلى تفاهمات عقلانية تمنح الشرعية للقانون والديمقراطية. ومع ذلك، يذكّرنا عالم اليوم، بما يحمله من صراعات واستقطابات حادة، بهشاشة تلك الشروط. لذلك، لا يتمثل إرث هابرماس في نظرياته حول التواصل والديمقراطية فحسب، بل في السؤال المفتوح الذي يتركه لنا: هل لا يزال العالم قادراً على الاقتراب من شروط العقل التداولي، أم أن التاريخ المعاصر يكشف حدود الأمل الذي دافع عنه طوال حياته؟

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك