ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

زيارة إلى الضاحية بالـ «موتسيكل»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

تكشف الرحلة من الحمرا إلى الضاحية مفارقة حادّة: مدينة تعيش إيقاعها الاستهلاكي الطبيعي، تقابلها مناطق تحت القصف والنزوح.

مروة جردي
مروة جردي
الجمعة 20 آذار 2026
نقترب من حارة حريك. ودون أي حدود واضحة فاصلة نشعر أننا عبرنا برزخاً بين حياتين وعالمين وواقعين
نقترب من حارة حريك. ودون أي حدود واضحة فاصلة نشعر أننا عبرنا برزخاً بين حياتين وعالمين وواقعين
الخط

إذا كنت تعيش في بيروت اليوم، فأنت لست بالضرورة في منطقة حرب أو تشعر بتهديد التعرض للقصف طالما أنك خارج ضاحية بيروت الجنوبية. إذا كنت تعيش في لبنان هذه الأيام، فأنت لست بالضرورة في منطقة حرب أو تحت القصف طالما أنك لست من جنوب لبنان أو بقاعه.

معادلة لا يمكن فهمها وتصديقها لكنه يوم جديد من الحرب، ولم أسمع صوت القصف إلا في أيام قليلة لقصف يستهدف شققاً وأبنية سكنية بعينها، بعد بدء الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت في الثاني من آذار (مارس). وسمع صداها بقوة وصولاً إلى شارع الحمرا. ولولا أعداد الوافدين الكبير القادمين من المناطق التي يستهدفها الإسرائيلي، والإنذارات التي تتناقلها الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي، كان من الصعب التيقن من وجود الحرب. رغم أن أرقام وزارة الصحة تشير إلى قرابة 700 شهيد حتى لحظة كتابة هذه السطور.

لا أدري إذا كان يوجد أمثلة مشابهة في تاريخ الحروب لبلد يخوض حروباً من دون أن يخوضها، لبلد تحت القصف من دون أن يكون تحت القصف، لبلد يموت العشرات من أبنائه من دون أن يموت له أحد. كل ذلك دفعني للاتفاق مع رفيقي للتوجه إلى ضاحية بيروت باستخدام الدراجة النارية «الموتسيكل» في واحدة من أشد أيام القصف، التي لم يسمعها سكان بيروت، لكن في الجريدة شعرنا بها جميعاً مع وصول خبر إصابة زميلنا المصور هيثم الموسوي. زيارة ستتكرر مع الأيام القادمة للوقوف على آثار الحرب وقصص الناس هناك.

غادرنا الحمرا قرابة الساعة الثانية والنصف ظهراً، يرافقنا صوت «أم كامل» حتى طائرة الاستطلاع بصوتها المزعج ثار لها اسماً وصارت صوتاً في خلفية الحياة اليومية لا يعيرها أحد انتباه طالما هو خارج زون الضاحية. ولو أن من طبائع الأمور ان يغلبني الخوف باعتباري أتوجه إلى ضاحية سكنية تتعرض للقصف يومياً بدون إنذارات مسبقة، إلا أن الخوف لم يجد طريقه لقلبي بعد بسبب الازدحام الكبير في شوارع بيروت، كأي يوم عمل عادي، وهذا سبب اختيار «الموتسيكل» للتهرب من ازدحام بيروت، والهروب من أي قصف في الضاحية.

أصوات الحياة مستمرة، لا جديد حتى الآن، مأكولات وعروض رمضان تسيطر على الطريق، المولات تشهد حركة كبيرة بوجود تنزيلات تصل إلى حد السبعين في المئة كما هو مكتوب على واجهات بعض المحال، نمّر من أمام مول ABC تخرج منه عائلات ونساء ينتمين إلى بيروت عاصمة الموضة، لا مدينة المقاومة. الازدحام لا يزال شديداً لكن حرية ما تتملك من يركب «الموتسيكل» تجعلك متحرراً من كل قيود المدينة الاستهلاكية.

وعلى طريق الرملة البيضا، حيث تفترش عشرات العائلات الأرصفة، تقول تقديرات منظمات الإغاثة إن عدد النازحين قارب المليون، معظمهم من الجنوب وضاحية بيروت. لا وجود للدولة أو لأي مؤسسات رسمية هنا، ولا حتى مجتمع مدني أو مبادرات. وحدهم النازحون يديرون ظهورهم للمباني الشاهقة خلفهم ووجوههم للبحر والصقيع. يؤنسون وحشة بعضهم بالجلوس معاً. لا يطالبون بشيء ولا يعترضون يفترشون الطريق بصمت.

وما أن نترك تلك العائلات حتى نلف من عند السفارة الجزائرية باتجاه الأوزاعي التي لا تزال تشهد حركة مقبولة، وعربات عصير الليمون التي زاد عددها في رمضان، وعدد من العمال الذين ينتظرون من يوكل لهم مهلة تؤمن لهم دخلهم اليومي.

بدأت حركة السيارة تصبح خفيفة وسريعة ومتوترة. وحدنا نبدو ذاهبين باتجاه قلب الضاحية، فيما تستقبلنا أصوات سيارات إسعاف مغادرة بسرعة كان عددها أربعة قرب مخيم شاتيلا المجاور للضاحية. لا تزال هناك حركة وحياة على الجانب الآخر من الطريق الذي يأخذك بعيداً عن الضاحية، فيما طريقنا إليها يندر سالكيه.

أعرف أنني لست من هنا، لست لبنانية ولم أسكن الضاحية كرفيقي الذي يقود رحلتنا، ولا حتى فلسطينية من مخيم قريب لجرح الضاحية. لكنني لست مجرد متفرج على الخراب، أو مراسلة تعاين موقع حدث لتبوح بما تراه، بين أصوات الغارات والدمار. لكنني أنتمي إلى هذه القضية والقصة. كما كثير من الشباب العربي. وبينما نتجول في قلب الضاحية، ترد أخبار استشهاد عدد من الشباب السوريين الذين قاتلوا في القرى الأمامية جنباً إلى جنب مع المقاومة اللبنانية. وأتذكر رسالة الكاتب السوري حيدر حيدر التي نشرها في جريدة «المعركة» قبل عقود، يعنوان «رسالة إلى مقاتل سوري في بيروت»، كانت تحية لأولئك الذين وقفوا مع الفلسطينيين واللبنانيين للدفاع عن المدينة، إلى كل الشباب العرب الذين يرفضون الهيمنة والاستعلاء والخضوع رسالة عن الوفاء، عن الوطن، وعن معنى أن تكون حياً لتشهد على الخراب وتقاومه بأي وسيلة.

نخرج من المكان بسرعة عبر إحدى الحارات الصغيرة التي يحيطها الدمار الطازج، ونتوجه إلى صفير، في محاولة لتفقد موقع غارة أخرى، نشاهد في سيرنا الدمار، الفراغ، الصمت، ورجل وامرأة مسنين لا نعرف أكانوا هنا أم جاؤوا مثلنا يزورون الحرب، لكنهم بالتأكيد يبحثون عن شيء، عن بقايا شيء ما أضاعوه للتو، يبدو أنه منزلهم الذي لا ملامح له بعد الآن. نتبادل النظرات معهم لكن لا يبدو أن أحدنا رأى الآخر، هنالك صدمة مرتبطة بالغارات الطازجة تجعلنا بلا ملامح بلا مشاعر، بلا أفكار ولا توقعات. في تلك الثواني يصبح الزمن دهراً والوقت بطيئاً بشكل مرعب.

وبينما ننتقل على الموتسيكل بين شوارع الضاحية، يخيّل إليّ أن بيروت 2026 تعيش صمتاً يشبه صمت خليل حاوي في شرفة منزله في رأس بيروت عام 1982. وانتحاره المبكر بينما المعركة لم تنته بعد. حاوي عبر انتحاره موقفه الوجودي من الخراب والهزيمة. كان يريد القول أنه لا يحتمل رؤية بيروت محتلة. لكنه تركها وذهب، فيما هناك آخرين كخالد علوان يفضلون إطلاق رصاصة. الصمت الثقافي والإعلامي، وتجاهل بعض المؤسسات لكل تلك الخسائر والآهات والكارثة يذكر بموقف حاوي، فيما السؤال يجب أن يكون ألا يوجد خالد علوان في الشأن العام مؤمن بجدوى الكتابة والمراقبة في زمن الحرب؟ مؤمن بدوره خلف المقاتلين على الخطوط الأمامية؟

أتوقف عن التفكير، ونصل إلى قهوة الكابتن قرب أحد فروع القرض الحسن التي يستخدمها الإسرائيلي ذريعة لغاراته. هنا كأن الوقت عاد لطبيعته، وخرج من صدمته، حيث نقابل مجموعة من الشباب الملثمين موزعين في المكان لحماية الأبنية المتضررة من عمليات السرقة خلال هذه الأوقات. نعم الحروب لا تجعلنا أفضل، هناك من يسرق بيوت الضاحية، هناك من يقرر أن يخاطر بحياته للاستفادة من مصائب غيره. وجود هؤلاء الملثمين يعطي شعوراً ما بالأمان، ويبدو أن وجود صحفية مع رفيقها على موتسيكل أعطاهم شعوراً معنوياً بالتضامن أو أن الحياة مستمرة بشكل ما هنا، حيث بادلونا التحية والابتسامة عبر عيونهم. أفكر أن السلاح يعيد لنا ملامحنا.

نمر بالقرب من إحدى حواجز الجيش اللبناني الفارغة، ثم نقرر أن نقطع الضاحية مرة أخيرة عبر جسر صفير، كان المشهد مرعباً ومهولاً، جسر فارغ، وآثار الغارات الإسرائيلية تظهر على جانبيه، ويعود صوت الطيران الحربي مرة أخرى، فنقطعه بسرعة كبيرة، وفجأة كأننا عبرنا بدراجتنا ثقباً زمنياً ما، من ضاحية الصمت والدمار والخطر إلى بيروت السلمية المزدحمة، وعبر حدود لا مرئية نحن خارج الضاحية وخارج الحرب.

الأصوات عادت طبيعية والازدحام في أشده. وحده منظر البحر يسكن الألم الذي خرج معنا من الضاحية، ألم أن تواجه وحدك دون أن يسمعك حتى أقرب الناس لك. أن تتنفس بصعوبة بين أنقاض المنازل والناس، وتسأل نفسك ما جدوى الكتابة في زمن الغارات والهلاك، لماذا كتبت هذا النص، وما معنى أن تقوم بزيارة خاصة للحرب؟

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك