على عتبة الليل… يخلع الحرب ويرتدي عينيها
كان المساءُ يذوبُ على عتبات المدينة كشمعةٍ أخيرة. وهو يعود… محمّلًا برائحة البارود، وبقلبٍ يبحثُ عن نجاةٍ واحدة


كان المساءُ يذوبُ على عتبات المدينة كشمعةٍ أخيرة. وهو يعود… محمّلًا برائحة البارود، وبقلبٍ يبحثُ عن نجاةٍ واحدة. هناك كانت تنتظره، واقفـةً كأنّ الليل اختارها ليزيّن عتمته بكامل رونقها، بأنوثةٍ هادئةٍ تشبهُ وعدًا لا يُخلف، وعينين تحملان له وطناً لا تحرقه الحروب... ما إن رآها حتى انكسرت في داخله كلُّ المسافات، تساقطت عنه قسوةُ النهار، وتقدّم نحوها كمن يعودُ إلى نفسه بعد ضياعٍ طويل. اقترب، فاحتضنها، لا كعابرٍ يلتقي، بل كناجٍ يتمسّكُ بالحياة، ضمّها إليه كأنّه يخشى أن يخطفها منه الوقت، وكأنّ ذراعيه صارتا أخيراً مكاناً آمناً بعد كلِّ هذا الخراب. تسلّلت يداه إلى ملامحها، يلامسُ وجهها برفقٍ كمن يتحسّسُ حلماً يخشى أن يستيقظ منه، وراحت أنفاسهما تختلط حتى لم يعد يُعرف أيُّهما كان الغائب، وأيُّهما الوطن... ثم دون كلمات، اقترب أكثر، وطبع على شفتيها قبلةً طويلة، قبلةً لم تكن شوقًا فقط بل نجاة، واعترافاً، وعودةً كاملة من الموت. أغمضت عينيها، كأنّها تحفظه في داخلها، وكأنّ تلك اللحظة تختصر عمرًا من الانتظار... وفي حضنها، لم يعد مناضلًا يطارد الحرية في ساحات القتال،بل عاشقًا وجدها أخيرًا في دفءِ جسدها، وفي هذا اللقاء الذي جعل العالم، رغم كل شيء… ممكنًا من جديد. كان الليلُ ينسدلُ ببطءٍ، كستارةٍ من كونٍ دافئ، وقد انطفأت في الخارج ضوضاءُ العالم،ليشتعلَ في داخلهما عالمٌ آخر أكثر صدقًا، وأكثر حياة. في حضنها، خلعَ عنهُ ثِقلَ النهار كما يُخلعُ الدرع، لم يعد ذلك الرجل الذي واجه الموت بعينٍ لا ترتجف، بل صار قلبًا ينبضُ بوضوحٍ،كأنّه يتعلّم الحبّ للمرّة الأولى....
جلست بقربه،قريبةً حدَّ أنفاسها، وكان حضورها ينسابُ حوله كعطرٍ يعرف طريقه إلى الروح... نظر إليها طويلًا كأنّه يحفظ ملامحها في ذاكرته لمعاركٍ قادمة، كأنّ عينيها خريطةُ النجاة الوحيدة... وحين اقترب، لم يكن في قبلته جوعٌ عابر،بل شوقٌ نجا من الموت، قبلةٌ طويلة، هادئة، تشبهُ صلاةً سرّيةً لا يسمعها إلا قلبان... ضمّها إليه، واستند برأسه إلى كتفها، كأنّه وجد أخيرًا مكانًا يضع فيه تعبه،وكانت يدها تمرُّ في شعره برفق، كأنّها تمحو عنه آثار الحرب، وتعيده إنسانًا من جديد. في تلك الليلة، لم يتحدّثا كثيرًا…فبعضُ الحبّ أعمق من اللغة، وبعضُ القرب يُغني عن كلّ الحكايات... كان يشربُها لا كجسدٍ، بل كحياة، كمن يرتشفُ من نبعٍ أعادهُ إلى ذاته،ومن شفتيها كان يلتقطُ طعم النجاة، ومن دفئها كان يكتبُ هدنةً مؤقتةً مع العالم. تداخلت اللحظات،حتى صار الليلُ أقصرَ مما يجب،وكأنّ الزمن خجلَ من أن يقاطع هذا اللقاء... وعندما بدأ الفجرُ تسرّبُ خافتًا، كسرقةِ ضوءٍ إلى قلب العتمة، أدرك أنّ الرحيل يقترب، وأنّ عليه أن يعود إلى طريقه... نهض ببطء، كأنّه يقتلع نفسه من دفئها،نظر إليها وهي ما زالت تحمل بقايا الليل في عينيها، فابتسم ابتسامةً ممزوجةً بالوعد... لم يقل الكثير، فهو يعرف، أنّ بينهما ما يكفي من الصمت ليحمل المعنى... اقترب، وقبّل جبينها هذه المرّة، قبلةً فيها عهدٌ خفيّ.. أن يعود… مهما طال الغياب. خرج، وعاد إلى وجهه ذلك الصمت الصلب، لكن في داخله، كان يحمل شيئًا لا يُقهر... حباً، وامرأة، وحلمًا يستحقّ أن يُقاتل من أجله. وهكذا، مضى نحو مهمته من جديد لا لأنه يعشق الحرب، بل لأنه تعلّم منها معنى أن يعيش، وأنّ الحرية تشبهها.
