ابق معي
لحظة، لحظة، توقف، أعطني البطانية، قال له رفيقه حسين. أخذ البطانية، فغطّى المصابة، ثم نزلوا وتابعوا عمليات الإنقاذ والإسعاف


لحظة، لحظة، توقف، أعطني البطانية، قال له رفيقه حسين. أخذ البطانية، فغطّى المصابة، ثم نزلوا وتابعوا عمليات الإنقاذ والإسعاف. بعد الانتهاء، وخلال فترة الاستراحة، التقى الفريق مرة ثانية، يتبادلون روايات ما حصل بينهم، ويطابقون المعلومات، وكان أحدهم يعدّ التقرير النهائي. فسأله رفيقه مهدي: لماذا طلبت البطانية، وأوقفت عمل الرافعة وهي في الهواء؟ فقال له: سمعتها… سمعتها تقول لي: «استروا عليّ… ستركُم الله». لذلك طلبت البطانية.
فتدخّل الذي كان داخل الشقة وقال: أنا رأيتها… كانت في البيت، لابسة ومستورة، لكن بلباس البيت. علي بقي ساعة ونصف في الطابق الثالث، يحاول فتح ثغرة من الجهة الأخرى لإخراج المصابين، ورفع الأنقاض بمساعدة الفريق. فأجابه مهدي: عندما وصلنا إلى الإسعاف، قال لي أحد أقاربها: جزاكم الله خيراً… إنها أختي، وهي ترتدي العباءة. ديروا بالكم عليها جيداً. فقلت له: هي أختي… بعيوني.
قاطعه زميلي، قائلاً ـ وهو يشاهد الفيديو على الهاتف الذي وثّق هذه اللحظة: أنتم في لحظات الإنقاذ تتعاملون حتى مع هذه المسائل بجدية؟
كان مسؤول الفريق جالساً، فأحب أن يجيب هو، فقال: بل أكثر من ذلك. دعني أوضح لك شيئاً، أفراد الدفاع المدني يقومون بعدة أعمال في الوقت نفسه. عادة يلعبون دور المنقذ والمسعف والإطفائي. وهم أول فريق يصل إلى موقع الحادث عادة. وهم مؤتمنون على أرواح الناس، وعلى ممتلكاتهم وأغراضهم الشخصية أيضاً. كما تكثر الأسئلة في تلك اللحظات من الناس المحيطين: بعضهم يريد أن يطمئن، وبعضهم فضولي، وبعضهم مغرض، يبحثون عن أسماء المصابين ووضعهم، ومن منهم شهيد أو ما زال على قيد الحياة. هنا عليك أن تتعامل مع الأمر بحذر، لأنك في الوقت نفسه تحتاج أن تعرف من هم هؤلاء المصابون، في وضع حربي لا يتيح التعرف عليهم بسهولة، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تسيء إليهم أو تنتهك خصوصيتهم. خصوصاً أننا في وضع حرب، والعدو يسعى للوصول إلى أي معلومة قد تفيده في أهدافه العدوانية.
هنا قال أحدِ الشَّبابِ لزميلِه وكأنه كان يجمع من ذاكرته ما يثبت ذلك: أتذكُرُ ذلك الطِّفلَ الذي ظننَّاهُ شهيدًا وكان عمرُهُ أشهرًا؟ ثم تحرَّكَت يدُهُ وأمسكَ بيدِكَ، فاكتشفتَ أنَّهُ حيّ… لماذا تفاعلتَ حينها إلى هذا الحدّ؟» فأجابه: «في الحقيقة، للحظةٍ شعرتُ أنَّها ابنتي، فضممتُهُ إليَّ ولم أتمالك نفسي، فبكيت. وقال: إنَّ حيدرَ وضعَ يدَهُ على كتفِه حينها، وهزَّهُ جيِّدًا، وقال له: تَمالَك نفسَكَ لنتابع عملَنا.
فسألته: «منذُ كم سنةٍ وأنتَ في هذا العمل؟ فقال: أنا متطوِّع منذُ أربعةَ عشرَ عامًا. عملتُ في توزيعِ الخبز، وعملتُ في وظيفةٍ جزئيَّةٍ أخرى، وكنتُ متطوِّعًا في الدفاعِ المدني. ومنذُ عامين تركتُ كلَّ أعمالي، وتفرَّغتُ للدفاعِ المدني، وأصبحتُ مُثبَّتًا هنا».
فسألت حيدر: هل عددُ المتطوِّعين كبير؟ فقال: يصلُ إلى النِّصف، وهم يمارسون أدوارًا مهمَّةً جدًّا. تتوزَّع مهامُّهم بين مسعفينَ وسائقينَ وخدمات، وبعضُهم أصبح لديه خبرةٌ تقنيَّةٌ عالية، ومتعدِّدو المهام بسبب مشاركتهم الدائمة لسنواتٍ طويلة. والآن عددٌ كبيرٌ منهم يبقى معنا طوال الوقت».
فسألته: هل هناك إجازات؟، قال: أحيانًا يذهبُ أحدُنا لعدَّةِ ساعاتٍ ليستريح، ثم يعود. لكنَّ الأساس هو الحضورُ الدائم على مدار أربعٍ وعشرينَ ساعة».
فقلت له: هل هنا في هذه الخيمة؟، قال: نعم، نتوزَّع بين هذه الخيمة والخيمة الثانية، وفي السيارات ننام ونستريح ونتبادل الأماكن، لكن لا نغادر إلا قليلًا جدًّا، لأنَّ ضغطَ العمل كبير. فنحن نتابع عملَنا المدنيَّ المعتاد: نقلُ الحالاتِ الطارئة، والحرائق، والإسعاف، حتى تلك غير المرتبطة بالحرب، والتي كان يصل عددُها عادةً إلى خمسينَ حالةً في اليوم في بيروت فقط في أيَّام السِّلم.
ثم تابع رفيقٌ آخرُ لهم قائلًا: صحيحٌ أنّنا في هذا العمل منذ سنوات، ولكن لا يمكننا أن نقول إنّنا اعتدنا هذه المهمّة. ولهذا أسباب؛ فجوهر عملنا هو الخدمة، وهو نابعٌ من مشاعر حقيقيّةٍ ذاتيّةٍ نحملها، مرتبطة بأهدافنا الكبرى ومشتركة مع أهداف الناس أنفسهم الذين نخدمهم.
في مواقف كثيرة يكون حالُنا وحالُ المصابين واحد، فنَتعاون نحن وهم على الإنقاذ والإسعاف، بل أحيانًا يساهمون بأدوارٍ كبيرةٍ إلى جانبنا، حتى لو لم يكونوا من أقرباء الضحايا. وهذا يدلّ أيضًا على الثقة المتبادلة بيننا.
ومع أنّني في هذا العمل منذ أكثر من عشر سنوات، وقد مرّت خلالها حروبٌ وظروفٌ صعبةٌ جدًّا، إلى جانب المعارك التي شهدناها، كان هناك أيضًا وباء كورونا، وقد رأينا أنواعًا كثيرةً من الحالات. خاصّةً في الحرب الماضية، حيث كان عدد الشهداء كبيرًا، وكانت حالاتهم سيّئةً جدًّا، لم نرَ مثلها من قبل، بسبب أنواع الأسلحة التي يستخدمها هذا العدوّ المجرم.
مثلاً، منذ عدّة أيّام كنّا ننقذ عائلةً مصابة؛ استُشهد الرجل على الفور، لكن قيل لنا إنّ امرأةً وطفلها ما زالا تحت الركام. وصلنا إلى المكان الذي كانت فيه بمساعدة الناس، رفعنا بعض الركام، فرأينا التراب يتحرّك صعودًا وهبوطًا، فعلمنا أنّها تتنفّس. وكان يأتي من هذا الموضع صوتُ أنينٍ ومحاولةُ حديثٍ معنا. فأسرعنا في رفع الركام، لكن في لحظةٍ ما توقّف صوتها وحركتها. فصرخ أحدنا: «إنّها تموت… أسرعوا!» فهبّ الجميع من أماكنهم، وبدأوا يزيلون الركام بالأدوات الموجودة بين أيديهم، وآخرون بأيديهم وأصابعهم، للوصول إليها. وأخرجوها حيّة، وحصلت على الإسعافات اللازمة، ثم خرجت من المكان.
هؤلاء الناس هم مجتمعُنا الذي نخدمه طوال العام، وليس في الحروب فقط. وكثيرٌ منهم نعرفهم ويعرفوننا. ومتى رأوا هذه السيارة، وهذا الشعار، ولباسنا، يفتحون لنا الطريق فورًا، ويبدؤون بمساعدتنا لإنجاز المهمّة بأفضل شكلٍ ممكن.
نادرًا جدًّا ما نصادف حالاتٍ تكون في وضعٍ صعبٍ من الانهيار، بحيث تجعل القيام بالمهمّة عسيرًا. لكنّنا، في العادة، لا نرى إلّا أناسًا صُلبين، يخرجون أقوياء، ويبدؤون مباشرةً بإعطاء المعلومات للقيام بالمهمّة على أفضل وجه. وتكاد تظنّ أنّ هؤلاء لا مصابين لديهم في هذه المباني أو السيارات التي تعرّضت للقصف، مع أنّ الحالة تكون شديدة القسوة، وبيوت من الركام، وشققٌ بكاملها قد تضرّرت بشكلٍ بالغ.
لكنّ الناس تكون حاضرةً بقوّةٍ وصلابة. يذكر أحدهم أنّه كان يساعد فتاتين نجتا من الغارة على الخروج. كانت إحداهما تحتضن المصحف بيدها. طلب منها أن تضعه ليتمكّن من مساعدتها، فأجابته: لا، لن أتركه، فتابعت انقاذها وعلامات الطمأنينة باديةً على وجهها.
فرق الدفاع المدني، في الهيئة الصحية الإسلامية، كما هم كل فرق الانقاذ والاسعاف المخلصة في هذا الوطن، جماعةٌ قليلةٌ كبيرةٌ، تقف بين الموت والحياة، تظهر للحظةٍ عندما تطلّ علاماتُ الموت. يحملون من ارتقى واستُشهد، ويُسعفون من بقي. مؤتمنون على أرواحهم، وعلى بقيّة حياتهم. وسط النار والغبار، تطرق إلى مسامعك عبارة "ابقَ معي"، يحاول فيها المسعف الحفاظ على روح المصاب وإنقاذه، ويمنعه من الدخول في غيبوبةٍ. ويصرح اخر لطلب المساعدة من آخر بالحاح. يقفون بين المصابين وعوائلهم. اختارهم الله تعالى لهذه المهمّة القصيرة، التي تكاد لا تُرى؛ فما هي إلّا ساعاتٌ أو أقلّ، إمّا أن يصبح الشهيد معداً ليغسّلوه ويدفنوه بحضور أهله، وإمّا أن تستلمه المستشفى لتتابع مراحل الاستشفاء. ثم يختفون. يظهرون في هذه الدقائق القليلة هي التي تُحسم فيها أصعب القرارات، التي ستؤثّر دائمًا في حياة المصابين وسلامتهم. فالإسعافات الأوّلية في اللحظات الأولى هي التي تُحدّد مصير كلّ واحدٍ منهم.
لذا يتطلّب من هذا الفرد أن يحمل في الوقت نفسه مهاراتٍ متعدّدة، وخبرةً، وسرعةَ بديهة، وإبداعًا في حلّ المشكلات، ليصل إلى أفضل نتيجة… في ثوانٍ.
كما هم عرضةٌ للخطر في المكان الذي يشتعل أو ينهار، أو ما يزال تحت القصف. محاصرون من كلّ جانب، يقومون بهذه المهمّة المعقّدة والصعبة جدًّا. لذا يُقدِم هؤلاء الشهداء والجرحى، وينهكون في الظروف الصعبة والحروب الطويلة، بشكلٍ متواصلٍ ومن دون استراحة. يعملون في البرد والحرّ والمطر، وفي مختلف الظروف الأمنية القاسية، ومتعاونون إلى حدٍّ كبير مع من يساهم معهم في عمليّات الإنقاذ.
إنّه دورٌ جهاديٌّ إنسانيّ، يشبه دور السيدة زينب التي حافظت على الجرحى، وسهرت عليهم، وداوتهم ليُتابعوا المسير. فكم من مقاتلٍ أو إنسان، مدينٌ في حياته وسلامته لرجلٍ مجهول، ربما لن يلتقي به ثانية، خاصّةً أنّ هذا المسعف لن ينتظره على باب المستشفى ليسمع منه كلمة شكرٍ، أو لينال هديّةً لا تساوي شيئًا ممّا يضعه في خدمة أهله وناسه والمجاهدين لسنواتٍ وسنوات. مجهولٌ في الظاهر، لكنّه في الوقت نفسه محبوبٌ، مرغوبٌ، مطلوبٌ، ومشكور.
انتهى اللقاء على الرصيف، قال لي بلال، الذي يكبرهم سنًّا، وقد بدأ المطر يزداد وهم يحتمون بزاويةٍ من الجسر، مُشعِلًا بعض الأخشاب في سطلٍ من حديد. كانوا يحاولون تغيير مكانهم لأنّ الهواء كان يرمي المطر بشكلٍ أفقي في كلّ مكان. قال: الحمد لله، ما زال لدينا كميّة كافية من الحطب. فقد مرّت منذ ساعة شاحنةٌ صغيرة، ووضعت ما تحمله من الأخشاب أمامنا ثم مضت دون أن نراها أو نشكر صاحبها.
بعد ذلك قاموا وحملوا وسائلهم والكراسي، يحتمون من المطر الشديد الذي وصل إلى ذروته ونحن نتحدّث.
وأضاف: بالأمس كان المطر عند موعد الإفطار، وبسبب شدّة الطوفان لم نتمكّن من الجلوس في أيّ مكان، فتوزّعنا واقفين وبين السيارات لنفطر، لأنّ الماء ملأ كلّ مكان.
