هل كلُّنا شهداء؟
لستَ بحاجةٍ لأن تكون قد التقيتَ بآمال خليل شخصياً، ولا لأن تكون على مقربةٍ مكانيّةٍ من محيطِها، لتشعرَ بأنّها ومحيطُها جزءٌ من محيطك


لستَ بحاجةٍ لأن تكون قد التقيتَ بآمال خليل شخصياً، ولا لأن تكون على مقربةٍ مكانيّةٍ من محيطِها، لتشعرَ بأنّها ومحيطُها جزءٌ من محيطك، وأنّ يومياتِها جزءٌ من يوميّاتك. هي الأُلفةُ التي لا يمتلكُها أو يحظى بها بالضرورة كثيرٌ من الوجوه التي نلتقي بها مراراً، أو الأماكن التي نزورها ونتردد عليها تكراراً، ولا كثيرٌ الشّخصيّات التي أقحمت نفسها بنفسها، أو أقحمتها المنصّاتُ بوسائلها المتعددة في يوميّاتنا أمراً لا فضلاً.
حكمَتْ عليَّ المسافةُ المكانيّة أن أستنسخ من كلّ حجرةٍ في دماغي ومن كلّ وظيفةٍ من وظائفه اثنتين، أُولاها أعيشُ فيها في محيطي الجغرافيِّ مجرّدةً من انفعالاتي، مزامِلةً للأحرف والأرقام والمصطلحاتِ اللاتينيّة، ممتهنةً مهنةً تدّعي تاريخياً هدفاً أسمى هو «إنقاذ الحياة». أمّا ثاني النُّسَخِ من حجرات دماغي ووظائفه فتعيش يوميّات بلادي بتفاصيلها، المجدِيةِ منها وغير المُجديةِ على السّواء، وكأنّي بذلك أحاول أن أُسكِتَ جزئياً عقدة الذّنْب بابتعادي جغرافياً عن معاناة أرضٍ أتشارك مع أهلها دمهم وقضيّتهم بِحُكمِ التّاريخ والجغرافيا على السّواء.
وتشاء المفارقة دوماً أن تَرصدَ وتتابع بانتظامٍ سير يوميات أهل الأرض، فيكون رجعُ الصوت روتينياً لا يخرجُ عن الدأب والعادة، فإذا ما انشغلتَ في حياتك الموازية رفّة عينٍ، أدركتَ ما إن فئتَ مجدّداً إلى واقع الحال، أنّ تلكَ الرفّةَ ما هي إلّا إحدى مفترقات الطّرق… نقطةٌ من نقاط اللاعودة، التي لن تعود بعدها اليوميّاتُ كما كانت قبلها.
تلك كانت حالي يوم الأربعاء في الثّاني والعشرين من نيسان، إذ ما إن فئتُ إلى ما كان يجري في عالمي الموازي، البعيد القريب، عالمِ أرضي وجذوري الذي سرقتني منه مهنةٌ تدّعي "إنقاذ الحياة"، حتّى استذكرتُ أيّةَ مسرحيّةٍ هزليةٍ هي هذه الحياة، على نحوٍ تغدو فيه كلُّ الأصوات حولك محضَ ضجّةٍ في مشهديّةٍ صامتة، لن يُضيركَ إن رفعتَها أو خفضتَها أو عدِمتها بالكامل.
لا تَسَلْ عن سلامته
روحُهُ فوق راحته
بدّلَتهُ همومُهُ
كفناً من وسادته
يرقبُ السّاعةَ التي
بعدها هولُ ساعته
شاغلٌ فكرَ من يراه
بإطراقِ هامته
لقد سبقنا الشاعر إبراهيم طوقان بهذه الكلمات من قصيدته "الفدائي" بعقودٍ، بل بسنواتٍ ضوئيّةٍ، إلى الأجوبة على الأسئلة التي اعتمرت خَلَد كلّ من عاش السّاعات الطّوال دقيقةً بدقيقةٍ، ولحظةً بلحظة، متمسّكاً بشيءٍ من اسمها… آمال…
هو بالباب واقفُ
والرّدى منه خائفُ
فاهدئي يا عواصف
خجلاً من جراءته
صامتٌ لو تكلَّمَ
لفَظَ النّارَ والدّمَ
قل لِمَن عابَ صمتَهُ
خُلِقَ الحزمُ أبكَمَ
كان هذا جواب إبراهيم طوقان، حملتْهُ رياح الجنوب من أرضه، فلسطين، عبر آمال إلى أهلها وزملائها ورفاقها ممن كانوا ينتظرون رجعَ صوتها محمّلين بشيءٍ من اسمها…
تمضي السّاعات طوالاً، وأستسلمُ لنومٍ قسريٍّ يعجزُ أن يبلغ دورةَ نومٍ كاملة، نومٍ سبق وأن اختبرتُه يوم السّبت في الثامن والعشرين من أيلول ٢٠٢٤ قُبيل بيان النّعي، أُكاسرُ فيه تكّاتِ ساعةٍ أعلمُ يقيناً أنها ستحملُنا إلى لحظةٍ لن يعود العالم بعدها لدى كثيرين كما كان قبلها…
أقول لنفسي قبل أن أستسلم لذاك الشبح الأسود، هيَ بطلة، تُحسن التّصرف في الميدان، ولابد وأنها طوّرت عبر السنين التي قضتها على هذه الأرض وفيها استراتيجياتٍ معينة لتستخدمها في مواقف كهذه… أو أنها ببساطة غريزة البقاء… لا… هي غريزة الصمود…
ثم تطغى الواقعية على تفكيري، فأقول لنفسي، يكفي أن تكون قد أصيبت بجرحٍ نازف، لتتحول عقارب السّاعة سيفاً أمضى من أعتى آلات الحرب التي نشهدها، وشاء القدرُ أن نكون شهوداً عليها بلا حولٍ ولا قوّة…
لا تلوموه قد رأى
منهج الحقّ مظلما
وبلاداً أحبّها
ركنُها قد تهدّم
وخصوماً ببَغيِهم
ضجّتِ الأرض والسّما
كنتُ على اعتقادٍ أنّ العقل الباطن بحاجةٍ لوقتٍ قبل أن يُدرجَ تفاصيل يوميّاتنا فيما نبصره من أحلام. لم يكن ذلك حال عقلي الباطن في تلك الليلة… أصحو حول منتصف الليل، وآخر ما أبصرتُه في نومي أني أصلُ بسيارتي في جنح الظلام إلى دارِ عائلة آمال… لا لأقدّم العزاء، بل لأتلقّاه… استيقظتُ وقلت: استشهدت آمال… لم أكن بحاجةٍ للتأكد من ذلك من موقع الجريدة، لكنني فعلت… ثم جاءني صوتُ محمود درويش:
عندمَا يذهبُ الشُّهداءُ إِلى النَّومِ أَصْحُو
وأحرسهم من هواةِ الرّثاء
أقول لهم: تصبحون على وطن
من سحابٍ ومن شجر
من سرابٍ وماء
أهنئهم بالسلامة من حادث المستحيل
ومن قيمة المذبح الفائضة
وأسرق وقتاً لكي يسرقوني من الوقت
هل كلّنا شهداء؟
قد يبدو هذا سؤالاً من محمود درويش، يحتمل جوابُه الإيجاب أو النفي، لكنّ من إعجازات اللغة العربيّة أنّ لبعض صيغ السّؤال قدرةً أقوى وأبلغ في إثبات الإيجاب… نعم، كلّنا شهداء… شهداء على مشهديّةٍ ارتقت منها وعنها آمال، فبتنا من يستجدي العزاء، الكثير منه، لا لارتقاء شهيدةٍ منّا، بل لشهادتنا العاجزة على مشهديةٍ يغدو أيُّ كلامٍ يُكتبُ أو يقالُ في وصفها تافهاً غير مُجدٍ.
يُغالبُكَ الحزنُ على خسارة هذه الحياة لبطلةٍ كآمال، فتتذكّرُ أنها مضت مستجيبةً لذاك النداء بصوته: "يا أشرف الناس، وأكرم الناس وأطهر الناس… السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته…"
