وتبقى القَصيدَة… لِبَحْرِ الفُقَراء


إلى الشّاعِرِ العَرَبيِّ الكَبير
مظفر النواب
شاعِرَنا… مُظَفَّر…أَخالُكَ تَتْلو عَلَيْنا قَصيدَتَكَ،
وتَمْشي إلى نَعْشِكَ الأَخير…
وصَوْتُكَ
حَشْرَجاتُ حَناجِرِ الوُرود
بَيْنَ مَفاصِلِ الآلام…
وصَوْتُكَ يَطْلُعُ
كَنَشيدٍ دَفين
في قَبْضَةِ بُنْدُقِيَّةٍ أُوصِلِيَّة…
وبَحْرُكَ الشِّعْريُّ
يَمْتَدُّ شَطْآنًا مِن نُور… ونَوارِس…
ونَهْرُكَ الحِبْريُّ
المُخَضَّبُ بِالثَّوْرَة
يُؤَلِّفُ القَصيدَة…
والقَصيدَةُ تَتَمَرَّدُ على الزَّمَن…
وكُلُّ حَناجِرِ الأُقْحُوانِ صَوْتُكَ،
وأَنْتَ المَشْهَد…
وكُلُّ سَواقي العاشِقين
تُسْرِجُ يَنْبوعَ القَوافي
إلى بَحْرِ ديوانِكَ…
وبُحورُ شِعْرِكَ
بِلا ضِفاف…تَظَلُّ تَتْعَبُ
لِتُسْرِجَ صَهْوَةَ القَصيدَة…
وديوانُكَ لا يَزالُ يُسافِرُ
في لَيْلِ الأَحْزان،
كَالمَطَرِ الحَزين
على أَبْوابِ الفُقَراء…
وكُلِّ المُتْعَبينَ والمُعَذَّبين
مِنَ الأَنْظِمَة،
والطُّغاة،
والجائِرين،
والمُنَفِّطين…
وصَوْتُكَ أَنارَ الدُّجى،
واللَّيْلَ الطَّويل،
أَمامَ الحالمينَ
بِخُبْزِ الفُقَراء…
وبَنادِقِ الأَحْرار…
أَيُّها النَّوّاب…
يا جَليلَ الخِطابِ الثَّوْري،
وعَبَقَ أَريجِ الجَنوب،
والبصرة،
وفلسطين،
والقدس،
وغزة،
وتل الزعتر،
والمَنْسِيّينَ… والمَنْفِيّين…
يا وَديعَ القافِيَة
حينَ تَتَساقَطُ مِن ثَغْرِكَ
رَبيعًا
لِلشُّهَداء،
والمُقاوِمين،
والفِدائِيّين…
أَنْتَ… والبُنْدُقِيَّة،
والقَصيدَة،
والجُرْح،
وخُبْزُ الفُقَراء،
والعَدالَة،
والثَّوْرَة،
وفلسطين…
رِحْلَةُ العُمْرِ والقَصيدَة…
أَنْتَ الَّذي لَطَّخْتَ جَبينَ الحُكّامِ
وأَنْظِمَتِهِمُ الهَزيلَةِ الحَقيرَة،
وهَتَفْتَ مِن جَوارِحِ الشِّعْر:
قوموا…القدس عَروسُ عُروبَتِكُم…
ورُحْتَ تَسْأَل…
شِعْرُكَ فاضَ
على أَلْسِنَةِ المَظْلومين،
والمُعَذَّبين،
والمُقاوِمين…
وهٰذا ديوانُكَ…
وهٰذِهِ قَصائِدُكَ
تَمْشي كَـالليطاني،
والنيل،
والفرات،
ودجلة،
إلى مُلْتَقى البَحْرِ الكَبير،
الهائِمِ بِالمَوْجِ الثّائِر…
وأَبْياتُكَ غَدَتْ
على لِسانِ النّاس،
والبُسَطاء،
والمُعْدَمين،
الحالمينَ بِأَوْطانِهِم
حُرَّةً… وعَزيزَة…
وشِعْرُكَ يَزْهو
كَالشَّجَر…
كَالزَّهْر…
كَالرَّصاص…
في وادي الحجير،
وبنت جبيل،
وعيتا الشعب،
وكفركلا،
وحولا،
وشمع،
والقوزح،
والخيام…
وشِعْرُكَ
دَفاتِرُ الأَناشيد
لِلأَطْفالِ المُشَرَّدين
على ضِفافِ بَحْرِ غزة…
وأَنْتَ تَأْتي،
تَتْرُكُ البصرة والعراق،
وتُسْرِجُ خَيْلَ القَصيدَة
على أَوْراقِ الأَطْفال
الَّذينَ مَزَّقَتْهُمُ الغاراتُ
في الجَنوبِ ولبنان…
أَيُّها الراحِلُ
على هَوادِجِ القُلوب،
لِتُكْمِلَ قَصيدَةَ
بيروت العَصِيَّةِ على الخِيانَة…
بيروت الَّتي عَشِقْتَها حَتّى الوَلَه،
تَتَمَرَّدُ عَلَيْهِم،
وتُسْقِطُهُم مِن كِتابِ الشَّرَفِ والكَرامَة…
ها صَوْتُكَ يُهاجِرُ فيها
كَنَسائِمِ بَحْرِها وشَعْبِها…
جَميلٌ أَنْتَ…
حَتّى في مَوْتِكَ…
تُورِقُ أَوْراقُكَ
نُجومًا على نَعْشِ الرَّحيل…
وأَنْتَ تَأْتي،
تَطْلُعُ مِن ثَنايا
القدس،
والجليل،
والخليل…
وكربلاء تَمْتَدُّ
في عَيْنَيْكَ
وَرْدَةً حَمْراءَ مُزْهُوَّة…
يا جَليلَ القَوافي…
لا زِلْنا نَقْتَفي القافِيَة
مِن صَدى صَوْتِكَ…
وصَوْتُكَ لا يَزالُ يُقاوِم،
ويَهْتِفُ… ويَصْرُخ:
«أَصْرُخُ فيكُم…
أَصْرُخُ: أَيْنَ شَهامَتُكُم؟
إِنْ كُنْتُم عَرَبًا… بَشَرًا… حَيَوانات…
فالذِّئْبَةُ حتّى الذِّئْبَةِ تَحْرُسُ نُطْفَتَها،
والكَلْبَةُ تَحْرُسُ نُطْفَتَها،
والنَّمْلَةُ تَعْتَزُّ بِثُقْبِ الأَرْض…
وأَمّا أَنْتُم…؟»
وصَدَقْتَ… حينَ قُلْتَ لَهُم أَيْضًا:
«هَلْ عَرَبٌ أَنْتُمْ؟
هَلْ عَرَبٌ أَنْتُمْ؟
ويَزيدُ على الشُّرْفَةِ يَسْتَعْرِضُ أَعْراضَ عَراياكُم…
ويُوَزِّعُهُنَّ كَلَحْمِ الضَّأْنِ لِجَيْشِ الرِّدَّة…
هَلْ عَرَبٌ أَنْتُمْ؟
واللهِ أَنا في شَكٍّ مِن بغداد إلى جدة…
هَلْ عَرَبٌ أَنْتُمْ؟
وقَتَلَتْنا الرِّدَّة…
قَتَلَتْنا الرِّدَّة…
قَتَلَتْنا الرِّدَّة…»
وتَبْقى…
كَالنَّشيدِ العَنيد،
في ذاكِرَةِ الأَرْضِ… والإِنْسان…
