ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«غرناطة ساقطة لا محالة»: عن رهابِ الحُلم والولاءِ للهزيمة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

تردّدتْ جملة «غرناطة ساقطة لا محالة» في رأسي دون توقّف منذ قرأتها على لسان أحد الشخصيات في «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور

إشراق حبيب
إشراق حبيب
الجمعة 19 حزيران 2026
«غرناطة ساقطة لا محالة»: عن رهابِ الحُلم والولاءِ للهزيمة
الخط

تردّدتْ جملة «غرناطة ساقطة لا محالة» في رأسي دون توقّف منذ قرأتها على لسان أحد الشخصيات في «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور. شعرتُ حينها بأنني وقعتُ على جملة بسيطة قصيرة، لخّصت بشكل بديع حالةً مستشرية خاصمتُها وأنهكتني منذ وعيت. أعبّر عنها في هذه السلسة من المقالات برُهاب الحلم والولاء للهزيمة. أعبُر مع القراء ـ لاسيّما منهم المذهولين أمام هذا الخراب، والباحثين عن إجابات، والراغبين في أن نرتِق الصدع، ونلجم الفتنة، ونشبك الأيادي في مواجهة شرٍّ يقتلُنا يومياً منذ عقود ـ مشاعرَ/ مراحلَ ضرورية لنفكّك هذه الجملة قبل أن تفتكَ بنا.

في محاولة الفهم والتفهّم

تفتتح رضوى عاشور روايتها «ثلاثية غرناطة» بمشهد في الحمّام ينقل لحظة مكرّرة في تاريخنا القديم والمعاصر: العدو على مشارف المدينة! حملتُ الرواية «الثقيلة» معي مراراً من مكان لآخر ومنعني شيء ما من البدء في قراءتها. ثم عزمتُ على ذلك أخيراً بعد زيارتي الأخيرة للبنان في شهر نوفمبر المنقضي. وقد كان التوقيت أكثر من مناسبٍ، إذ ساعدتني رضوى في إخماد النار التي أشعلتها هذه الزيارة.

يخلق الأدب رابطة فريدة بين الكاتب والقراء، إذ كتبت رضوى مدفوعة بمشهدٍ مؤلم، وكتبت لتفهم، وكتبت حتى تقول إن تكرار المأساة ليس حتمياً. وأنا هربتُ للرواية من الألم، وكنت بحاجة لأن أستبدله بالفهم لأرتاح، واليوم أشعر بحاجتي لأن أشارك تجربة القراءة لأذكّر ـ بدوري ـ بأنّ تكرار المأساة ليس حتمياً.

تؤثّث مجموعة من الشخصيات مشهد الحمّام، ومن خلالها نتكشّف على حجم التناقضات التي يجمعها هذا البهو المغلق بخصوص أمر مصيريّ. يقدّم الحوار فرصة للتعرّف على الشخصيات بحياد تامّ يسمح بتتبّع حجج هذا وذاك، وردّ الآخر وتفاعل الثالث معهما. هذا زمن آخر، وقائعه غير معلومة تماماً، وتفاصيلها غائبة عنك، ولا تعرف عن شخصياته شيئاً يجعلك أقربَ لهذا من ذاك، لذلك تمسّكت بهذه الفرصة الذهبية لكي أفهم منطق ودوافع هذا الرجل، الذي لم تمنحه رضوى اسماً، وساعدني صبرُ «سعد» ـ خادمه ـ في ذلك، فأسهب في سرد مبرّرات موقفه: «هو قدر مكتوب. نحن مهزومون فأين الاختيار؟»، «لماذا نحاربهم؟ ألم تكفنا عشرُ سنوات من الحرب؟ هل تريد أن يحلّ بنا ما حلّ بأهل مالقة فنأكل البغال والحمير وأوراق الشجر؟».

كنتُ فخورة بنجاحي في متابعة هذا الحوار بشيء من التجرّد، ولا يعني هذا التجرد الانحياز ولا حتى التعاطف، وإنّما استيعاب المنطلقات التي تحرّك هذه الشخصية، وهو ما حرمتنيه الأشهر الأخيرة التي جعلتني أكثر صرامة وأقلّ شكّاً، وهو أمر لا أحبّذه. إنّ انعدام الخيار والحيلة والتسليم للقدر أسباب معقولة بالنسبة لشخص يرى أنه قشّة في وجه الأقدار، وهذا أمر باعث على الشفقة لا الامتعاض، والخوف من الحاجة والجوع بدوره شعور مشروع عرفه الإنسان الأوّل ولطالما كان محرّكاً له. وكلاهما ليس شيئاً يُحاسبُ الإنسان عليه وإن كان مذموماً وغير نبيلٍ.

غمرتني راحة عميقة وأنا أراجع بعض المحادثات التي خضتها مع بعض الأصدقاء مؤخراً وبعض المقالات والبرامج التي استفزّتني. وبدا لي الأمر لوهلة بسيطاً للغاية: علينا أن نفهم وإن لم نتّفق. أن نفهم الخوف وأن نفهم التعب وأن نفهم الاستسلام لما يعتقده البعض قدراً، حتى أنني شعرتُ للحظة أنني فهمتُ سائق التاكسي الذي عاتبني على زيارة صيدا: «شُو أخدِك لهونيك، خليكي بلبنان الحِلوِة».

لكنّ طمأنينتي كانت مجرّد فخ، فقد غادرتني سريعاً.

الاصطدام لا مفرّ

تكمن عبقريّة مشهد الحمّام في كونه مشهداً مخاتلاً. كان وقعُ الحوار بين الشخصيات، على أهميته وحساسيته، بطيئاً ومنتظماً حتى اللحظة التي نُطقت فيها عبارة «غرناطة ساقطة لا محالة». قفز أبو منصور صاحب الحمّام على قائلها، وعمّت الفوضى، وانخرط فيها الجميع يفصل بين الرجلين. كانت لحظة جليلة حوّلتها رضوى لمشهد ملحمي: خرج الرجال من مقصوراتهم ومن أحواض السباحة عراة، وسقط عن بعضهم الآخر إزاره أثناء الركض.

إنّها لحظة انكشاف كامل انسجاماً مع الحدث الذي ينتمي لتلك المحطات التي لا تعود فيها مواراة الحقيقة أمراً ممكناً. هل يمكن أن يستمرّ وقع الحياة هادئاً في مكان ضيق وحميمي كالحمّام بعد لحظة كاشفةٍ كهذه؟ كانت العبارة، مع أنها جاءت ضمن تطور حجاجي طبيعي لموقف قائلها، فجّة للغاية ومؤذية للغاية وبرّرت انفجار غضب صاحب الحمّام. ماذا يكون إعلان الهزيمة ـ بكلّ اعتدادٍ وثقة ـ قبل حدوثها؟

هُيّئ لي أنّني سمعته يقولها دونَ أدنى شعورٍ بالحزن أو الخيبة، وتساءلت: ألا يمكن لشخص ضعيفٍ وخائفٍ أن يكونَ حزيناً على الأقل؟ شعرتُ بغضب أبي منصور يجري في عروقي، فانتزعني من طمأنينتي وانتبهتُ أخيراً إلى أنني أنتمي إليه وحده، وإلى أنّ هذه الشخصية التي ظهرت فجأة، تشبهني تماماً، دون الحاجة لأن أعرف عنها أي شيء آخر.

وهكذا فهمتُ أنني لم أفقد في حقيقة الأمر قدرتي على التفهّم، كلّ ما في الأمر أن لهذا التفهّم حدوداً، ضفّة يكون ما بعدها هوّة، كلمة تحوّل ما بعدها لخطر حقيقي، ملموسٍ، قريبٍ يستحيل معه الاصطدام، بل يصبح لا مفرّ منه.

«غرناطة ساقطة لا محالة، وابن أبي الغسان كان أحمق يريد لنا خوض قتال لا قِبل لنا به. الحمد لله أنه مات وأراحنا واستراح».

تأمّلتُ بقية الجملة بذهول، وتهاطلت أمام عينيّ جمل شبيهة أدانت «حمق» الحالمين بالنصر، و«تهوّر» العازمين على التحرير، وتنفست الصعداء بـ«نفوق» القادة. وبدا لي أنّ الزمن توقف في غرناطة، وأننا منذ ذلك الحين، ننام ونستفيق على نفس الأحداث في لعبة زمنية خبيثة تمنحنا الفرصة لنغيّر شيئاً ما.

كبُر غضبي كثيراً حتى نقمتُ على نفسي لمّا أجبتُ سائق التاكسي بابتسامة بأنّ «كل لبنان حلوة»، وبدت لي ابتسامتي المصطنعة التي انعكست على المرآة الأمامية خيانة عظيمة، لنفسي، ولأبي منصور، ولغرناطة.. ولرضوى التي كتبت حتى لا تسقط غرناطة أخرى.

القرف: محطة الضرورة

لا يمكن أن نختتم مشهد الحمّام في «ثلاثية غرناطة» دون أن نتوقف عند مشهد رمزي مكثّف ضمّنته رضوى بعناية في الحوار:

«واصلَ سعد التكييس، وعندما انتهى مدّ يده إلى سيّده ليُشاهد بنفسه فتائل الوسخ التي أطلعها من جسده والتي يطلب رؤيتها في كل مرةٍ لكي يتأكّد أن خادمه أحسن فرك جسمه».

لعِب هذا المقطع السردي الوحيد في حوار مرتادي الحمّام دوراً جوهرياً في تجسيد شعور بالقرف يختزل كلاماً ليست الرواية مكاناً مناسباً لقوله بشكل مباشر.

إنّ قضية «سقوط غرناطة» في بعدها الرمزي ليست قضية اختلاف نمطية، يمكن أن تُحلّ بطرق نمطية، أو أن يتم تجاهلها وتركها شأن قضايا عديدة أخرى لا يمكن أن تُحسم أو تُفصل، أو ليس ضرورياً أن يحدث. إنّها في حقيقة الأمر تتجاوز ذلك إلى قضية جمالية يتنازع فيها نهجان أحدهما بديع ونبيل وواعد والآخر قبيح ورديء ومؤذن بالخراب.

وهذان النهجان قد يحملان اختلافات قابلة للفض داخل كل واحد منهما، على عكس اختلافهما مع بعضهما البعض الذي يعدّ اختلافاً صفرياً لا يمكن أن يتعايش فيه كلاهما إلا متنازعَين ومتضادَّين.

هذا المشهد الذي حُشر في قلبِ الحوار لا يمكن القفز عليه أو تجاوزه، وإن كان مقرفاً. إنّه حقيقة يجب التعامل معها. كيف سنتعامل مع فتائل الوسخ؟ ببساطة لن نكفّ عن التنظيف: عن إظهار الجمال في الإخلاص، وعن إظهار الوقار في فعل المقاومة، وعن إظهار الأمل الذي يحمله الحلم بالتحرير الكامل.

خرجت فتائل الوسخ من حمّام أبي منصور، وصار لها منصّات وقنوات ومؤثّرون وكتّاب بدوامٍ قارّ، وتحوّل ركون صاحبها إلى الأقدار إلى رهاب جماعي من الحُلم، وأصبح خوفه من الجوع إلى ولاءٍ عام للهزيمة كحقيقة تختزل الماضي والحاضر والمستقبل، واستحالت صرخة «غرناطة ساقطة لا محالة» تتردّد على كل الألسنة تحت رداء الواقعية وقتلِ العاطفة.

ولم يحدث ذلك فجأة، بل تراكم وتشكّل عبر قرون من الزمن تحوّل معها سقوط الأندلس إلى بكائية مستمرة في الزمن ابتلعت كلّ سردية حول النصر أو الإنجاز في الحاضر أو حتى إمكانيتهما في المستقبل.

ماذا يصنع تراكم فتائل الوسخ من كل صوبٍ بالإنسان؟ يعمّق شعوره بانعدام القيمة.. وسكونه للذلّ، لذلك لم يشعر الرجل بالحزن وهو يقول «غرناطة ساقطة لا محالة»، ولذلك أيضاً ضحك سائق التاكسي ضحكة عالية وهو يقول: «شو فينا نعمل.. لك إسرائيل فِيا تمحينا بلحظة إذا بدّا هاها».

ماذا نفعل مع فتائل الوسخ؟ لن نكفّ عن التنظيف.

كاتبة وباحثة دكتوراه من تونس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك