بين الإيواء والتعليم: هل حان وقت استئناف الدراسة؟
يبدو إطلاق التعليم عن بعد في المدارس الرسمية أقرب إلى رفع العتب ومحاولة للحفاظ شكلياً على استمرارية العام الدراسي


أعلنت وزيرة التربية، ريما كرامي، في مؤتمرها الصحافي، اليوم، الانتقال إلى التعليم عن بعد في المدارس الرسمية، مؤكدة أن الهدف هو الحفاظ على صلة التلامذة بالمدرسة، وعدم خسارة ما تبقى من العام الدراسي. لكن ما عرضته كرامي من إجراءات يطرح في المقابل أسئلة جدية عن مدى قابلية هذه الخطة للتطبيق في ظل الواقع الميداني.
وفي الأرقام، وضعت الوزارة 1156 مدرسة وثانوية و75 معهداً رسمياً بتصرف وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئة الوطنية لإدارة الكوارث لاستخدامها كمراكز إيواء.
أما حالياً، فتستضيف 334 مدرسة وثانوية رسمية و40 معهداً للتعليم المهني والتقني و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية أكثر من 80 ألف نازح، في ظل تولي إدارات المدارس وفرقها التربوية إدارة هذه المراكز بالتنسيق مع الجهات المعنية.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على مسار العام الدراسي. فالوزارة نفسها تقر بأن أوضاع التلامذة غير متشابهة: بعضهم نزح وفقد استقراره المؤقت، وبعضهم بقي في مناطقه، لكنه يعيش آثار الحرب النفسية والاجتماعية، فيما لا يزال جزء آخر من التلامذة قادراً على متابعة تعليمه في مناطق أكثر استقراراً. كما إنّ عدداً من التلامذة يتابع برامج تعليمية أجنبية ترتبط باستحقاقات امتحانات دولية لا يمكن تعديلها.
ووفقاً للوزارة، فإن المدة المتبقية من السنة الدراسية، بعد احتساب العطل الرسمية وعطل نهاية الأسبوع، لا تُجاوز40 يوماً فعلياً من التعلم. كما أظهرت نتائج أولية لاستبيان حول إنجاز منهاج الصف الثالث الثانوي تقارباً في مستوى التغطية بين المناطق وبين المدارس الرسمية والخاصة.
انطلاقاً من ذلك، أعلنت الوزارة اعتماد مقاربة مرنة لاستئناف الدراسة. فالمدارس الخاصة تُرك لها تقييم أوضاعها الأمنية واختيار النمط التعليمي الأنسب، سواء التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد أو التعليم المدمج، بالتشاور مع الأهالي.
الهدف من إظهار أن القطاع التربوي لا يزال يعمل هو الحفاظ على تدفق الدعم الدولي؟
أما المدارس الرسمية، التي يستخدم عدد كبير منها كمراكز إيواء، فستعتمد التعليم عن بعد في المرحلة الأولى خلال الأسابيع المقبلة، بعد أسبوع تحضيري تقني وتنظيمي، على أن تبدأ الحصص الافتراضية مع مطلع الأسبوع المقبل.
وتقول الوزارة إن القرار يقوم على التمييز بين مؤسسات لا يزال تلامذتها وهيئاتها التعليمية في مناطقهم ويمكنها الانتقال إلى التعليم عن بعد، وأخرى تقع في مناطق شهدت نزوحاً واسعاً يتعذر فيها انتظام التعليم حالياً، مع التأكيد أن هذه المدارس ستبقى المرجعية التربوية لطلابها إلى حين تحسن الظروف، والعمل لاحقاً على تعويض الفاقد التعليمي.
-
كثير من التلامذة يعيشون في مراكز إيواء مكتظة داخل مدارس (مروان يو حيدر)
وإزاء الانتقادات التي أثيرت حول مسألة العدالة في التعليم، شددت الوزيرة على أن «الإنصاف التربوي لا يعني توقف التعليم للجميع»، بل إتاحة الفرصة لمن يستطيع متابعة تعلمه، وهم، بحسب ما تشير إليه المعطيات الرسمية، يشكّلون 75 في المئة من التلامذة، على ما قالت الوزيرة.
وعلى المستوى التقني، أنشأت الوزارة حسابات رقمية لجميع الطلاب والمعلمين على منصة Microsoft Teams ونظّمت الصفوف الافتراضية بحسب المدارس والمواد التعليمية، كما تم الاتفاق مع وزارة الاتصالات على إتاحة استخدام منصتي Teams و«مدرستي» مجاناً عبر الإنترنت. كذلك يجري إعداد مساقات تدريبية للمعلمين حول التعليم الرقمي، بالتوازي مع دعم من شركاء دوليين، بينهم اليونيسف واليونسكو، لتأمين موارد تعليمية رقمية ومواد تعليمية مطبوعة.
غير أن هذا العرض التفصيلي للخطوات التقنية والشراكات الدولية يطرح تساؤلات في الأوساط التربوية حول ما إذا كان المؤتمر الصحافي موجهاً فقط إلى الرأي العام المحلي، أم أنه يحمل أيضاً رسالة إلى الجهات المانحة التي تشكل شريكاً أساسياً في تمويل برامج التعليم في لبنان. فالتأكيد المتكرر على المنصات الرقمية، وعلى التعاون مع الشركاء الدوليين، وعلى استمرار العملية التعليمية ولو بالحد الأدنى، قد يُقرأ أيضاً في إطار الحرص على إظهار أن القطاع التربوي لا يزال يعمل وفق برامج واضحة، بما يحافظ على تدفّق الدعم الدولي في هذه المرحلة.
لكن، رغم هذا العرض التنظيمي، يبقى السؤال الأساسي: هل الواقع على الأرض مهيأ فعلاً لاستئناف التعليم، حتى عن بعد؟
فآلاف العائلات لا تزال في حالة نزوح أو انتقال بين مناطق مختلفة، وكثير من التلامذة يعيشون في مراكز إيواء مكتظة داخل مدارس تحوّلت من أماكن للتعلم إلى ملاجئ مؤقتة. كما إن كثيراً من العائلات لا تزال تحاول تثبيت أوضاعها وتأمين احتياجاتها الأساسية، في وقت يعيش فيه الأطفال آثار الحرب والقلق النفسي.
في هذا السياق، يرى تربويون أن الأولوية في هذه المرحلة تبقى لتأمين الإيواء والخدمات الأساسية للنازحين، لا لإعادة إطلاق العملية التعليمية كيفما كان. أما التعليم عن بعد، فيبدو أقرب إلى محاولة للحفاظ شكلياً على استمرارية العام الدراسي، أو أنه أقرب إلى رفع العتب، كما تقول مصادر روابط الأساتذة التي أصرت على أن «لا تعليم قبل الأعياد». وهو موقف قد يكون مفهوماً من زاوية رغبة الوزارة في عدم تحمل عبء «تطيير» العام الدراسي، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن مدى واقعية تطبيقه، ولا سيما في ظل الحديث عن أن نحو 75 في المئة من التلامذة لا يزالون في مناطق آمنة وقادرين على متابعة تعليمهم، وهي نسبة يصعب التحقق منها ميدانياً في ظل حركة النزوح الواسعة وعدم استقرار أوضاع كثير من العائلات.
وبين خطاب رسمي يسعى إلى الحفاظ على استمرارية التعليم، وواقع اجتماعي وإنساني لا يزال في طور التكيّف مع تداعيات النزوح، يبقى السؤال مفتوحاً: هل الأولوية اليوم للتعليم فعلاً، أم لإدارة أزمة إنسانية لا تزال في بدايتها؟
