ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

في مراكز الإيواء حكايات لا تظهرها بيانات الدولة

لبنان
|سياسة
حفظ المقالة

تكشف جولة في مراكز الإيواء في بيروت واقعاً إنسانياً قاسياً يعيشه النازحون بعيداً من الأرقام الرسمية. برد الشتاء، نقص الأدوية والحاجات الأساسية، واعتماد شبه كامل على المبادرات الفردية، فيما يعيش مئات العائلات انتظاراً طويلاً للعودة إلى بيوتهم.

زينب بزي
زينب بزي
الخميس 12 آذار 2026
تختلط رائحة الرطوبة في المدارس بقلق الناس الذين لا يعرفون متى ينتهي الانتظار البطيء (مروان بو حيدر)
تختلط رائحة الرطوبة في المدارس بقلق الناس الذين لا يعرفون متى ينتهي الانتظار البطيء (مروان بو حيدر)
الخط

تكفي جولة قصيرة في بعض مدارس الإيواء في بيروت كي يدرك المرء أنّ ما يُقال في البيانات الرسمية لا يشبه الواقع إلا في الأرقام. الكلمات منمّقة، والجداول مرتّبة بعناية، لكن خلف تلك اللغة الباردة يقف عالم آخر تماماً. عالم قاسٍ، ثقيل ومليء بتفاصيل لا تظهر في أي تقرير. هناك، بين جدران المدارس التي تحوّلت على عجل إلى «ملاجئ» مؤقتة، تتكدّس حياة كاملة أُجبرت على التوقف فجأة، حيث تختلط رائحة الرطوبة بقلق الناس الذين لا يعرفون متى ينتهي هذا الانتظار البطيء.

المشاهد كثيرة، وفي كل غرفة حكاية لا تشبه الأخرى. كأنّ كل زاوية هنا تحمل قصة نزوح مختلفة، لكنها تشترك جميعها في شيء واحد: الزمن داخل هذه المدارس عالق في لحظة الهروب الأولى.

لا يقل الشتاء قسوة عن الحرب التي دفعت الأطفال إلى مراكز النزوح

في مدرسة المعنيّة يبدو الواقع أقسى من غيره. أطفال ينامون تحت شباك مفتوح لم يُرمّم بعد، وكأنّ الهواء البارد صار جزءاً من قدرهم اليومي. حين يهبّ الليل على المدينة، يتسلّل البرد إلى أجسادهم الصغيرة، ولا يجدون ما يواجهونه به سوى بطانيات خفيفة بالكاد تكفي. في تلك اللحظات، يصبح الشتاء خصماً إضافياً، لا يقل قسوة عن الحرب التي دفعتهم إلى هنا.

  • أصبح الشتاء خصماً إضافياً لا يقل قسوة عن الحرب على النازحين (مروان بو حيدر)
    أصبح الشتاء خصماً إضافياً لا يقل قسوة عن الحرب على النازحين (مروان بو حيدر)

في إحدى الزوايا ترقد مريضة سرطان على سرير صغير بالكاد يتّسع لجسدها المنهك. الخيمة التي نُصبت لها في وسط المدرسة تحوّلت إلى مساحة مكشوفة، يمرّ بقربها الجميع. لا خصوصية ولا هدوء، فقط ضجيج الحركة الدائمة. تقول بصوت خافت: «في بنات وعدوني يجيبولي شاش ومعقّم». طلب بسيط إلى حدّ يوجع. جملة قصيرة تختصر المسافة الهائلة بين ما يحتاجه الناس فعلاً، وما يصل إليهم. وتبقى هذه السيدة تحارب عدوين. المرض وإسرائيل التي تهدد أمان الناس.

أسفل الدرج تقع غرفة صغيرة، بالكاد يلاحظها المارّ. لا تصلها الشمس، ولا تصلها أيضاً أعين المسؤولين. هناك تجلس أم مع أطفالها الثلاثة، متكئين على بعضهم كما لو أنّهم يحاولون الاحتماء ببعضهم من البرد والقلق معاً. خرجوا من منزلهم في ليلة قاسية، ولم يحملوا معهم سوى ما استطاعت أيديهم التقاطه في لحظة ارتباك. منذ ذلك الحين وهم ينتظرون. الأطفال بحاجة إلى ثياب، إلى حليب وحفاظات، لكنهم أيضاً بحاجة إلى غرفة تشبه الحياة الطبيعية. هربوا من الحرب، لا ليواجهوا الأمراض في غرفة رطبة باردة، حيث تتحوّل الرطوبة إلى عدوّ آخر يتربّص بصحتهم.

وفي غرفة أخرى، قد يخيّل للداخل أنّ المكان تعرّض لقذيفة. الجدران مفتوحة على السماء، والنوافذ بلا زجاج، والريح تعبر المكان كما لو أنّه ممرّ. من هناك تطل العائلة على بيوت المدينة التي تبدو آمنة في النهار، بينما الليل يجلب معه برداً وسواداً يلفّ المكان. تجلس الأم مع بناتها على فرش رقيق، تحاول أن تخلق شيئاً يشبه الحياة داخل هذا الفراغ. تقول بصوت هادئ فيه كثير من الخجل: «ضهرنا بكم قطعة وعم نغسل على إيدينا وبدّن وقت لينشفوا». كأنها تعتذر لأنها تطلب القليل.

  • عشرات آلاف النازحين اليوم يعيشون على مبادرات فردية متفرّقة (مروان بو حيدر)
    عشرات آلاف النازحين اليوم يعيشون على مبادرات فردية متفرّقة (مروان بو حيدر)

في هذه المدارس لا معنى لسؤال الناس عمّا يحتاجونه، لأنّ الإجابة دائماً واحدة: كل شيء. فرش وأغطية، حليب للأطفال، أدوية بسيطة، ثياب للبرد، أدوات للنظافة، وحتى أشياء صغيرة جداً للحياة اليومية. امرأة تتمنّى فقط لو أنّها تحصل على موقد غاز صغير لتعدّ فنجان قهوتها. تقول إنها لا تريد أن تكون عبئاً إضافياً على أحد.

يبقى المشهد الأكثر حضوراً في مدارس الإيواء هو الانتظار. انتظار طويل وثقيل، لا يعرف أحد متى ينتهي

في مدرسة البطريركية يبدو المشهد أقلّ قسوة بقليل. هناك مطبخ يعمل لتأمين وجبات يومية للعائلات. لكن حتى هنا تبقى الحاجات أكبر من القدرة على تلبيتها لأشخاص يفوق عددهم الـ 500 فرد. يقول مسؤول المركز: «لا أحد يسأل. الوضع مختلف جداً عن الحرب السابقة. نحاول قدر المستطاع، لكن أكثر الأمور قائمة على مبادرات فردية». يشير إلى أنّ أي مساعدة، مهما كانت صغيرة، تحدث فرقاً. صابون، حفاظات، ثياب، حليب للأطفال، أدوات تنظيف. أشياء يفترض أن تكون بديهية في حياة أي إنسان.

ورغم كل هذه التفاصيل، يبقى المشهد الأكثر حضوراً في مدارس الإيواء هو الانتظار. انتظار طويل وثقيل، لا يعرف أحد متى ينتهي. انتظار العودة إلى البيوت، حيث تبدو الحياة، مهما كانت صعبة، أكثر رحمة من هذا الفراغ. يقول كثيرون هنا جملة تتكرر كأنها تعويذة: «بيت الواحد جنته». حتى لو كانت تلك الجنة بسيطة ومتواضعة.

لكن الحقيقة التي لا تخطئها العين أنّ عشرات آلاف النازحين اليوم يعيشون على مبادرات فردية متفرّقة، بينما الدولة التي تكثر بياناتها تبدو بعيدة جداً من هذه الغرف الباردة. تعرف أعدادهم جيداً، وتعلنها يومياً في تقاريرها، لكنها لا ترى تفاصيل حياتهم. الأرقام ثابتة تقريباً في التقارير، أما الواقع داخل هذه المدارس، فيزداد قسوة يوماً بعد يوم.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك