التأمل: أي دور في إعادة تشكيل نشاط الدماغ؟
تشير أبحاث حديثة إلى أن التأمل قد يساعد الدماغ على الوصول إلى حالة توازن مثالية في النشاط العصبي، ما يعزز التركيز والمرونة الذهنية ووظائف التعلّم.


لم يعد التأمل يُنظر إليه فقط كوسيلة لتهدئة الذهن أو تقليل التوتر، إذ تشير أبحاث علمية حديثة إلى أنه قد يغيّر طريقة عمل الدماغ فعلياً، عبر إعادة تشكيل ديناميكيات النشاط العصبي وتعزيز الترابط بين الخلايا العصبية. وتشير النتائج إلى أن هذه التغيرات قد تضع الدماغ في حالة مثالية من التوازن العصبي، تدعم المرونة الذهنية وتحسّن الأداء المعرفي.
تشير التقديرات العلمية إلى أن هذه الحالة، المعروفة باسم «الحرجية الدماغية» (Brain Criticality)، تمثل نقطة توازن لا تكون فيها الروابط العصبية ضعيفة جداً أو مفرطة القوة، بل عند مستوى مثالي يسمح للدماغ بمعالجة المعلومات بكفاءة والتكيّف سريعاً مع التغيرات.
كيف درست الأبحاث تأثير التأمل على الدماغ؟
في دراسة قادتها عالمة الفيزيولوجيا العصبية أناليسا باسكاريلّا من المجلس الوطني للبحوث في إيطاليا، استخدم الباحثون تقنيات تصوير دماغي عالية الدقة مدعومة بالتعلّم الآلي لفهم تأثير التأمل في نشاط الدماغ.
اعتمدت الدراسة على تقنية تخطيط الدماغ المغناطيسي (MEG)، التي تقيس الحقول المغناطيسية الناتجة من النشاط الكهربائي في الدماغ. وشملت التجربة 12 راهباً متمرّساً في التأمل، بمتوسط خبرة يتجاوز 15 ألف ساعة من الممارسة، وينتمون إلى تقليد «غابة تايلاند» ضمن البوذية الثيرافادية.
وقارن الباحثون نشاط الدماغ خلال نوعين من التأمل، إضافة إلى حالة الراحة الطبيعية.
تقنيتان أساسيتان: «ساماثا» و«فيباسانا»
ركزت الدراسة على تقنيتين رئيسيتين:
* «ساماثا»: تعتمد على تركيز الانتباه على عنصر محدد مثل التنفس بهدف تحقيق صفاء الذهن والاستقرار الذهني.
* «فيباسانا»: تركز على الوعي باللحظة الحالية والسماح للأفكار والمشاعر بالمرور من دون إصدار أحكام.
وتُظهر النتائج أن «ساماثا» تخلق حالة دماغية مستقرة ومركّزة تدعم التركيز العميق، بينما تساعد «فيباسانا» الدماغ على الاقتراب أكثر من حالة «الحرجية الدماغية»، التي تمثل التوازن المثالي بين النظام والفوضى العصبية.
في هذه الحالة، يصبح الدماغ أكثر قدرة على تخزين المعلومات ومعالجتها والتكيّف بسرعة مع المتغيرات.
ماذا يحدث داخل الدماغ أثناء التأمل؟
أظهرت الدراسة عدة ملاحظات مهمة، منها:
* قد تنشّط «ساماثا» الشبكات الحسية بشكل أكبر، ما يعزز التركيز على إحساس محدد مثل التنفس.
* لوحظ انخفاض في تذبذبات «غاما» الدماغية، ما قد يشير إلى تقليل معالجة المحفزات الخارجية وزيادة التركيز الداخلي.
* الممارسون الأكثر خبرة أظهروا فرقاً أقل بين نشاط الدماغ أثناء التأمل وأثناء الراحة، ما يشير إلى أن حالتهم الذهنية أصبحت أكثر استقراراً بشكل دائم.
كما تشير النتائج إلى أن التأمل قد يساعد الدماغ على الانتقال من نمط «التفاعل مع المحفزات» إلى نمط «الوعي الداخلي».
هل التأمل مفيد دائماً؟
رغم النتائج الإيجابية، تشير أبحاث أخرى إلى أن التأمل قد لا يكون تجربة إيجابية للجميع. فقد أفاد بعض الممارسين بشعورهم بالقلق أو الاكتئاب أو الخوف أو حتى الأوهام، وهي آثار قد تكون أقل توثيقاً مما ينبغي.
كما يؤكد الباحثون أن التغيرات العصبية المرتبطة بالتأمل لا تزال غير مفهومة بالكامل، وأن التأمل ليس طريقاً بسيطاً أو مباشراً للوصول إلى حالة الصفاء الذهني الكامل.
ماذا تعني هذه النتائج لمستقبل الصحة النفسية؟
تشير النتائج إلى أن التأمل قد يكون أداة قوية لتعديل نشاط الدماغ وتعزيز المرونة المعرفية، لكنه يظل مجالاً يحتاج إلى مزيد من البحث لفهم آثاره طويلة المدى بشكل كامل.
وقد تساعد الدراسات المستقبلية في توضيح كيفية تأثير التأمل في الدماغ بدقة أكبر، خصوصاً مع تطور تقنيات تصوير الدماغ والتحليل العصبي.
