القرد «بانش»… لماذا ترفض بعض الأمهات صغارها؟
قصة القرد الصغير «بانش» الذي تخلّت عنه أمه وأثار تعاطف العالم، وما يفسّره العلم عن سلوك الأمهات لدى الحيوانات والارتباط العاطفي.


تحوّل قرد ياباني صغير يُدعى «بانش» إلى حديث العالم بعد انتشار مقاطع فيديو مؤثرة تُظهره وهو يتمسّك بدمية محشوة بعد أن تخلّت عنه والدته ورفضته بقية مجموعته داخل حديقة حيوان في اليابان، في قصة أعادت تسليط الضوء على سلوكيات التعلّق لدى الحيوانات وأهميتها في النمو المبكر.
وُلد «بانش»، وهو من نوع المكاك الياباني، في تموز (يوليو) الماضي في حديقة حيوان إيتشيكاوا قرب طوكيو. وبعد وقت قصير من ولادته، تخلّت عنه والدته، ما دفع القائمين على الحديقة إلى منحه دمية أورانغوتان محشوة ليتمسّك بها، بعدما فشلت محاولات أخرى لتوفير بدائل مناسبة له. ومنذ ذلك الحين، انتشرت مقاطع تظهر القرد الصغير وهو يعانق الدمية بحثاً عن الأمان، فيما تعرّض أحياناً لمضايقات من قرود أكبر سناً داخل الحظيرة، قبل أن تُظهر مقاطع لاحقة قرداً آخر يحاول تهدئته وتنظيفه.
وبحسب تقرير نشرته «الغارديان»، أثارت هذه المشاهد تساؤلات حول أسباب تخلّي بعض الأمهات من الحيوانات عن صغارها، وهي ظاهرة غير شائعة لكنها ممكنة في ظروف معينة. وأوضحت خبيرة علم الرئيسيات في الجامعة الوطنية الأسترالية أليسون بيهي أن عوامل مثل العمر أو الحالة الصحية أو نقص الخبرة قد تلعب دوراً في ذلك، مشيرة إلى أن والدة «بانش» كانت أمّاً للمرة الأولى، ما قد يعني قلة الخبرة. كما أشار حراس الحديقة إلى أن القرد وُلد خلال موجة حر، وهي بيئة قد تسبب ضغطاً مرتفعاً، ما قد يدفع الأم إلى إعطاء الأولوية لصحتها وفرصها الإنجابية المستقبلية بدلاً من رعاية صغير قد يكون بقاؤه مهدداً.
قرد صغير يبحث عن الأمان… لا الطعام
من جهته، أوضح أحد حراس الحديقة أن صغار المكاك الياباني تلتصق عادة بأجسام أمهاتها فور الولادة لبناء القوة العضلية واكتساب الشعور بالأمان، لكن «بانش» لم يكن لديه ما يتمسك به بعد التخلي عنه، ما جعل الدمية بديلاً يوفر له الإحساس بالاحتضان. كما أشار الخبراء إلى أن تفاعلات القرود الأخرى معه لا تُعد تنمّراً، بل سلوكاً اجتماعياً طبيعياً في مجتمعات المكاك التي تقوم على تسلسل هرمي صارم بين العائلات.
ورغم ذلك، فإن غياب الأم قد يؤثر في قدرته على تطوير استجابات الخضوع المناسبة داخل المجموعة، وهو ما قد ينعكس على اندماجه الاجتماعي في المستقبل.
من حديقة الحيوان إلى علم النفس
قصة «بانش» أعادت أيضاً الاهتمام بتجارب نفسية شهيرة أُجريت في خمسينيات القرن الماضي على قرود الريسوس على يد الباحث الأميركي هاري هارلو، والتي تُعد من الأسس العلمية لنظرية التعلّق. ووفق شرح نشرته جامعة كوينزلاند، قام هارلو بفصل صغار القرود عن أمهاتها ومنحها بديلين: مجسماً سلكياً يوفر الطعام، وآخر مغطى بالقماش الناعم يوفر الراحة دون غذاء.
وأظهرت النتائج أن الصغار فضّلت قضاء معظم وقتها مع «الأم» القماشية الناعمة، رغم أنها لا توفر الغذاء، ما أثبت أن الحاجة إلى الراحة والحنان عنصر أساسي في تكوين الروابط العاطفية، وليس الطعام وحده.
وقد شكّلت هذه النتائج تحولاً كبيراً في فهم العلاقات بين الأم والطفل، إذ بيّنت أن الرعاية العاطفية والاهتمام عنصران حاسمان في النمو الصحي، بينما قد يؤدي الإهمال أو البرود العاطفي إلى أنماط ارتباط غير آمنة.
ويرى الباحثون أن حالة «بانش» تعكس بشكل غير مقصود نتائج تلك التجارب، إذ يبدو أنه كوّن ارتباطاً مع الدمية لأنها توفر الإحساس بالراحة والأمان الذي كان سيحصل عليه عادة من أمه.
اهتمام عالمي وتحذيرات
-
سبق أن حظيت فرس نهر قزمية صغيرة في تايلاند بشهرة واسعة عام 2024
في الأيام الأخيرة، شهدت الحديقة زيادة كبيرة في أعداد الزوار الراغبين في رؤية القرد الصغير، ما دفع الإدارة إلى فرض إجراءات أكثر صرامة حول الحظيرة وطلب الهدوء من الزوار.
وأشار خبراء إلى أن القصة تسلّط الضوء أيضاً على قضايا أوسع، مثل فقدان الموائل الطبيعية وتغير المناخ ورفاه الحيوانات في حدائق الحيوان، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل العلاقة بين البشر والحيوانات. كما حذّر مختصون من أن التعاطف الكبير مع صغار الحيوانات قد يزيد من مخاطر التجارة غير القانونية بالحيوانات الغريبة كحيوانات أليفة.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن القرود كائنات اجتماعية تحتاج إلى العيش مع أفراد نوعها، وأن صغارها تكبر بسرعة، ما يجعل الاحتفاظ بها كحيوانات أليفة أمراً غير مناسب لرفاهها الجسدي والنفسي.
وليست هذه المرة الأولى التي يجذب فيها حيوان من حديقة حيوان اهتماماً عالمياً، إذ سبق أن حظيت فرس نهر قزمية صغيرة في تايلاند بشهرة واسعة عام 2024، ما يعكس التأثير الكبير للقصص الحيوانية في الرأي العام.
