فرساي ذاكرة المكان وهشاشة التفاهمات
لم يمنح قصر فرساي الاتفاق الأميركي–الإيراني ضمانة للاستمرار. قراءة في رمزية المكان وحدود الدبلوماسية أمام تغيّر موازين القوى.


لم يمض وقت طويل على توقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية في «قصر فرساي» الفرنسي حتى بدأت تتكشف حدود «الرمزية» التي أحاطت بها. فالتفاهم الذي قُدِّم بوصفه بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين واشنطن وطهران، سرعان ما اصطدم بواقع الشرق الأوسط شديد التقلب، ليعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أنقرة، أن «الاتفاق انتهى» وأنه لم يعد يرغب في التفاوض مع إيران، في تحول يعكس هشاشة التفاهمات التي تُبنى وسط موازين قوى متحركة أكثر مما تعكس استقراراً دبلوماسياً دائماً.
ورغم هذا الانهيار السريع، فإن اختيار قصر فرساي لاستضافة التوقيع لم يفقد دلالته السياسية. فالقصر الفرنسي لم يكن يوماً مجرد معلم تاريخي أو تحفة معمارية، بل كان على الدوام مسرحاً للحظات مفصلية أعادت تشكيل النظام الدولي. فمن قاعة المرايا أُعلنت الإمبراطورية الألمانية عام 1871، وفيه وُقِّعت معاهدة فرساي عام 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى، لكنها أرست أيضاً توازنات هشة قادت لاحقاً إلى حرب عالمية ثانية.
يومها ساد الظن بعودة «فرساي» إلى واجهة السياسة الدولية باستضافته توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، في لحظة لا تقل حساسية عن تلك التي شهدها قبل أكثر من مئة عام. فالعلاقة بين واشنطن وطهران ظلت طوال العقود الأربعة الماضية واحدة من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً وتأثيراً في الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والتوازنات الدولية، ما يجعل اختيار مكان ارتبط تاريخياً بإعادة صياغة موازين القوى رسالة سياسية بحد ذاته، تتجاوز البروتوكول إلى استدعاء رمزية التحولات الكبرى.
ففي السياسة، لا تُختار الأمكنة اعتباطاً. فالقاعات والقصور ليست مجرد خلفيات للصور الرسمية، بل جزء من الخطاب السياسي نفسه. ومن هنا، لا يبدو اختيار فرساي مجرد نتيجة لوجود الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فرنسا أو لاستضافة الرئيس إيمانويل ماكرون اللقاء، بل محاولة لمنح الاتفاق بعداً تاريخياً، والإيحاء بأنه يمثل محطة جديدة في مسار إعادة ترتيب العلاقات بين خصمين شكّلا لعقود أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة.
لكن التاريخ يقدم أيضاً درساً يستحق التأمل. فالأماكن تمنح الأحداث قوة الرمزية، لكنها لا تضمن نتائجها. ومعاهدة فرساي التي أرادت تثبيت سلام دائم تحولت، أنهت كل السلام، بعدما أسست لتوازن مختل وشعور عميق بالإذلال قاد إلى صعود النازية والحرب العالمية الثانية.
دبلوماسية المكان في صنع السياسات
في العلاقات الدولية، تكتسب بعض المدن والقصور مع مرور الزمن هوية سياسية خاصة تجعل أسماءها مرتبطة بنمط محدد من السياسات، وجزءاً من الرسالة الدبلوماسية الموجهة للعالم.
على سبيل المثال، ارتبطت «لاهاي» بالقانون الدولي والمحاكم وتسوية النزاعات القانونية، وأصبحت «جنيف» مرادفاً للمفاوضات والوساطات والاتفاقات متعددة الأطراف، فيما اقترنت «أوسلو» بالمسار الفلسطيني-الإسرائيلي. أما «فرساي»، فقد احتفظ بصورة مختلفة؛ فهو ليس مدينة للمفاوضات اليومية، بل مكان تستدعيه القوى الكبرى عندما تريد إضفاء بعد تاريخي على لحظة ترى أنها تتجاوز حدود الاتفاق التقليدي إلى إعادة ترتيب موازين القوى أو الإعلان عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية.
يعود ثقل فرساي السياسي إلى القرن السابع عشر، حين جعله لويس الرابع عشر مقراً للحكم وتجسيداً لفكرة الدولة المطلقة. لكنه تجاوز وظيفته الملكية ليصبح لاحقاً أحد أهم مسارح التحولات الدولية، إذ اكتسب القصر هذه المكانة من الأحداث التي احتضنها. ففي عام 1871 أعلن المستشار الألماني أوتو فون بسمارك من قاعة المرايا قيام الإمبراطورية الألمانية بعد هزيمة فرنسا، في رسالة سياسية أرادت القول إن القوة الجديدة تولد من قلب الرمز الفرنسي ذاته.
وبعد ثمانية وأربعين عاماً، عاد القصر ليشهد توقيع «معاهدة فرساي» التي فرضت على ألمانيا شروطاً قاسية رسخت شعوراً بالإهانة والظلم، وهو ما اعتبره كثير من المؤرخين أحد العوامل التي مهدت لصعود النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية.
التاريخ يمنح الاتفاقات رمزية، لكنه لا يضمن لها البقاء. فمصيرها تحدده موازين القوى أكثر مما تحدده القصور التي تُوقَّع فيها
من هذه الزاوية، لا يبدو فرساي مجرد مكان لاستضافة اتفاق أميركي إيراني جديد، بل مسرحاً يعود إليه التاريخ لكنه يقدم صورة معاكسة لما مثله فرساي آنذاك. فإذا كانت معاهدة 1919 نموذجاً لإرادة المنتصر الذي يفرض شروطه على المهزوم، فإن اتفاق اليوم يعكس عالماً أكثر تعقيداً، تتراجع فيه قدرة أي قوة على الانفراد بصياغة النتائج، وتصبح التسويات والتفاهمات، مهما كانت هشة، أقل كلفة من أوهام الحسم الكامل، ويتحول مرة أخرى إلى شاهد على لحظة انتقالية جديدة، تؤكد أن السياسة لم تعد تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم وحده، بل بمنطق التوازنات والاعتماد المتبادل والاعتراف العملي بحدود القوة.
كما لا يمكن فصل الحدث عن الدور الفرنسي والأوروبي. فباريس، وخصوصاً في عهد إيمانويل ماكرون، دأبت على استخدام «فرساي» كمساحة لاستضافة القمم واللقاءات الكبرى، في محاولة لترسيخ صورة فرنسا كوسيط دولي فاعل، في عالم تتراجع فيه الأدوار الأوروبية التقليدية أمام واشنطن وقوى دولية وإقليمية أخرى، كما يعكس هذا الاختيار رغبة أوروبية أوسع في إعادة التموضع داخل النظام الدولي.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عند مقارنته بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، الذي وقع في فيينا خلال إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. فقد جاء ذلك الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات، وتضمن تفاصيل تقنية وآليات رقابة معقدة، واعتُبر آنذاك أحد أهم إنجازات الدبلوماسية متعددة الأطراف.
لكن انسحاب إدارة ترامب منه عام 2018، وما تبعه من عقوبات وضغوط وتصعيد واغتيالات ومواجهات إقليمية، أدى إلى انهيار تلك الصيغة بالكامل. وبعد أكثر من عشر سنوات، تعود واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض، ولكن في ظروف مختلفة واتفاق أقل شمولاً وأكثر ارتباطاً بإدارة الأزمة من حلها جذرياً.
من «أسوأ اتفاق» إلى اتفاق أقل طموحاً
يكتسب «الاتفاق الأمريكي-الإيراني» الحالي دلالة خاصة عند مقارنته بالاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة 5+1 في فيينا عام 2015 خلال إدارة باراك أوباما. فقد نص ذلك الاتفاق على قيود تفصيلية على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات، واعتُبر حينها أحد أبرز إنجازات الدبلوماسية متعددة الأطراف.
وكان دونالد ترامب من أشد منتقدي الاتفاق، ووصفه مراراً بأنه «أسوأ اتفاق»، قبل أن ينسحب منه عام 2018 ويطلق سياسة «الضغوط القصوى» بهدف انتزاع شروط أكثر صرامة من طهران.
لكن بعد سنوات من العقوبات والتصعيد والمواجهات، عادت واشنطن إلى التفاوض مع إيران في اتفاق يبدو، في نظر مراقبين، أقل شمولاً من اتفاق فيينا وأكثر اقتراباً من تسوية لإدارة الأزمة لا لحلها. وبين فيينا وفرساي، لا تكمن المفارقة في انتقال المفاوضات من مدينة إلى أخرى، بل في أن الرئيس الذي وعد باتفاق أفضل انتهى به الأمر إلى توقيع تفاهم يأتي في عالم أكثر اضطراباً وتعدداً في موازين القوة، وبنتائج تبدو أقل طموحاً مما رفضه قبل أكثر من عقد.
غير أن رمزية فرساي لا تكفي وحدها لإضفاء الديمومة على الاتفاق، إذ إن التفاهم الذي جاء لإدارة أزمة مزمنة أكثر منه لحلها، يبقى عرضة للاهتزاز مع أي تغير في موازين القوى أو أولويات العواصم المعنية.
