
بعدَ إصدار كتبها في طبعة أولى كبيرةِ القَطعِ وغاليةِ السعر، اعتادت دور النشر الغربية عامَّة أنْ تصدرَ طبعةَ جيبٍ شعبيَّة من الكتاب نفسه مستهدِفةً شريحةً أوسعَ من القرَّاء. لكن ما الدَّاعي الآن إلى إعادةِ إصدار كتاب المؤرخ الفلسطيني إلياس صَنْبَرْ: «أوجُه الفلسطيني: هوية الأصول، هوية الصيرورة» بعدما صدرَ في طبعته الأولى في عام 2004؟ لا شكَّ في أنّ «دار غاليمار» (أعرق دار فرنسية والأضخم مع Seuil) رأت أنَّ الكتابَ لم يَشِخْ، مع فارق عشرين سنة بالتمام والكمال بين إصدارهِ الأوَّل وطبعته الراهنة (الثانية)، بل أصبحَ أكثر راهنيةً، مع دفع «طوفان الأقصى» بالقضية الفلسطينية، معضلةِ المشرق العربي الأولى، إلى واجهة الأحداثِ، لا بالتتبع الإعلامي فقط، وإنَّما بالدِّراسة الأكاديمية الرصينة والبحث الموضوعي والمنصِف لمهزومي التاريخ، بعيداً من موجةِ مطاردةِ الساحرات تارةً بإشهار تهمةِ معاداة السامية التي صارت ممجوجة (بحقِّ نشطاء وبرلمانيِّي حزب فرنسا الأبيَّة مثلاً)، واعتبار كل متعاطف مع الفلسطينيين يساريّاً متأسلِماً (islamogauchiste)، وطوراً باعتبار نزهاء المفكرين اليهود كارهين لذاتِهم (حالة الأكاديمي إيلان بابِه الذي أقدمت الشركة الإعلامية المتنفّذة في ميدان الإعلام والنشر والطباعة المملوكة لليميني المتصهين بولوري، بسحب كتابه عن التطهير العرقي في فلسطين من رفوف المكتبات وشبكات التسوق الإلكتروني).
عودة بنا إلى إلياس صنبر الذي نال عن كتابه المذكور جائزة «جمعية الصداقة الفرنسية ــ العربية» في فئة الدِّراسات، نظراً إلى فرادته التحليلية في تتبُّع مبدأ أن الهويات الوطنية هي في طور تكوُّن دائمٍ، وهي تختلف عن تلك التي تعتمد فقط على أصولها. إذا تم التعامل مع أي هوية وطنية بهذه الطريقة، فإنها تتطلب إظهار كيف هي جذورنا في الواقع الماثل أمامنا، وكيفَ أصبحنا على ما نحن عليه اليوم.
«أوجُه الفلسطيني» لا يقدّم أي سرد للصراع الفلسطيني ــ الصهيوني، ولا تأريخاً لما حدث في كلٍّ من المعسكَرَين على مدى قرون، فمثل هذه التأريخات متوافرة بجميع اللغات الأكثر شيوعاً. لقد آثرَ الباحث السيرَ وفقاً لمنهج أنثروبولوجي ـــ تاريخي لتقديمِ مفاتيح لفهم الهوية الفلسطينية. انطلاقاً من حقبةِ الإمبراطورية العثمانية، يستنبط صنبر الوجه الأوَّل للفلسطيني باعتبارهِ ابناً لشَعب الأرض المقدسة (بيت المَقْدِس)، وبالتالي تُعرَّف هويَّته عبر الجغرافيا التي تتعايش فيها المجتمعات والأديان، حيث تتميز التشكيلات الاجتماعية بدمج دورِ العبادة والأماكن الطقوسيَّة والمَحَجَّات ضمنَ أديان التَّوحيد.
أمّا الوجه الثاني لهذه الهويَّة المتحوّلة، فهو وجهُ الفلسطيني كعربي: خلال فترة الانتداب البريطاني ولدى بناء «الوطن» الصهيوني كمشروع كولونيالي في قلب المشرق العربي بخاصرةِ الشَّام الكبير، انسَحَق الفلسطينيُّون في دوَّامةٍ مزدوجة كان سندانُها الاستعمار البريطاني، ومطرقتها الاستيطان والتهجير الصهيوني لأصحاب الأرض، ليصبحوا، بين ليلةٍ وضحاها أجانبَ وأغياراً على أرضِهم وفي شتاتِ المخيَّمات والمنافي.
الوجه الثالث والأخيرُ، هو وجهُ الفلسطينيِّ الغائبِ أو غير المرئي: بعد موجة مجازر وترانسفير عام 1948، قامت آلة الكيانِ الاستعماري الجهنمية المدعومة من الكولونياليات الغربيَّة القديمة والجديدة بمحو أو تعديل أسماء المواقع الجغرافية وطمس التضاريس التاريخية لفلسطين تدريجاً؛ فتصدَّى هذا الوجه الفلسطيني للعنف المادي بالاشتغال الرمزي على التاريخ، بِأَنْ زرع في مخيمات اللاجئين ذاكرةً للأماكن وغذَّاها بفكرة العودة إلى أرض الأجداد. مع هذا الوجه ارتقى مفتاح البيت ووثيقة الرسم العقاري إلى درجة السلاح التاريخي الموازي للكفاح المسلَّح.
بعد هذا التركيب الأنثروبولوجي المستند إلى رؤية تاريخية بانوراميَّة، يخلص الكاتب إلى السؤال الأساسي والإشكالي، الذي يجد صداه في وقائع هذه الأيام بالذات، وفي الجغرافيا الممتدة من بادية النهر حتى الإسكندرون السليب: لم تعد المسألة «من أينَ نستمد هويتَنا؟» وإنَّما صارت مسألة المَسائل: إلى أين نحن ذاهبون في صيرورةِ هويَّتِنا المتحوِّلة هذه؟

