ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الفانتازيا مسرحاً لسؤال الوجود في أدب محفوظ

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة
إبراهيم فرغلي
إبراهيم فرغلي
السبت 14 كانون الأول 2024
الفانتازيا مسرحاً لسؤال الوجود  في أدب محفوظ
الخط


تسبّبت موجة الأفلام المأخوذة عن، أو المقتبسة من، أعمال نجيب محفوظ الأدبية في شيوع ظاهرتين: الأولى زعم كثيرين بأنهم قرؤوا أعماله، بينما هم في الحقيقة لم يفعلوا شيئاً سوى مشاهدة الأفلام. والثانية تتجسد في وسم أعمال الكاتب الكبير بالواقعية، وفقط، باعتباره مؤرخ الواقع الاجتماعي المصري وتغيراته على مدى القرن الماضي، وهي سمة وإن كانت تتسم بالكثير من الصحة لكنها، في المقابل، أسهمت في إغفال الكثير من سمات كتابة محفوظ الأدبية التجريبية والفانتازية. ففي كثير من الأفلام التي تناولت روايات شديدة الأهمية مثل «ثرثرة فوق النيل»، أو ملحمة «الحرافيش»، اجترأ صنّاع السينما لانتزاع بعض المشاهد السطحية التي رأوا فيها تغذيةً للخيال الشعبي عن حارة مصرية يتجسد فيها صراع الخير والشر بينما تجاهلوا ــــ هذا إذا كانوا قد لاحظوها أساساً ــــ الإشارات والخواطر والحوارات كافة التي كانت تطرح السؤال الوجودي والفلسفي وتفيض بها «الحرافيش»، بما في ذلك الإشارة الرمزية البسيطة لأناشيد التكية، بكل حمولاتها الرمزية والفانتازية، التي لا أذكر أنني لمحت عنها شيئاً في تلك الأفلام. والأمر نفسه في الفيلم المأخوذ عن رواية «ثرثرة فوق النيل»؛ الذي تجاهل الخواطر الخيالية لأنيس زكي التي كان محفوظ يقدّم بها إرهاصات الواقعية السحرية، ومزج الواقع بالخيال بطريقة شديدة الذكاء، عبر ــــ مثلاً ـــ وصفه لامرأة بين الجالسات في العوامة بأنها خريجة الجامعة الفلانية وتعمل كذا ثم يستطرد أنها كانت راعية غنم في زمن الملك خوفو، أو أن يتهيأ له ظهور حوت من نافذة العوامة، فيجري معه حواراً فلسفياً ينتهي بأن يغمز له الحوت مؤيداً، وغير ذلك الكثير من المشاهد. أعتقد أنّ إسباغ سمة الواقعية على أعمال محفوظ ككليشيه تم تبنيه وإعادة قراءة الأعمال بنفس منطقه، أسهم في تعطيل الكثير من القراءات الجادة لتلك النصوص التي يكشف الكثير منها عن نزعة للتجديد ومزج الخيال بالواقع وإرهاصات التجريب والفانتازيا في أعمال كثيرة أخرى، لعل أبرزها رواية «ليالي ألف ليلة»؛ التي قدم عبرها قراءة موازية لـ «ألف ليلة وليلة»، تبدأ من حيث انتهت شهرزاد، أي بعد علاج الملك المهووس بالقتل، وانتقاله إلى الواقع لكي يرى بعينيه ما علمته إياه الحكايات أو أخبرته به. ولكن محفوظ يختار شخصيات من الحارة المصرية يطعّم بها شخصيات «ألف ليلة» ليتأمل جرثومة الفساد الماثلة في النفس البشرية. وقد استبدل طبيعة بعض الشخصيات في «ألف ليلة» مثل أنيس الجليس بنقيضها، كما استلهم الكائنات الخارقة والعفاريت لكي يكون لها دور بارز في الأحداث.
وأعتقد أنّ لمسات الواقعية السحرية التي اتخذها في «ثرثرة فوق النيل»، مهّد بها للمسات أخرى أضافها إلى رواية «الشحاذ»؛ عبر التهويمات والتهيؤات التي أصابت بطل الرواية عمر الحمزاوي، الذي أصيب بمرض لم يتمكن أحد من تشخيصه. وقد وصفه هو بالضجر بينما في جوهره كان محاولة للبحث عن معنى الحياة. الضجر أو فقدان مبرر أو معنى الحياة في إشارة رمزية إلى معنى الإيمان بين كونه يقيناً وبين كونه سؤالاً بلا إجابة، في تشخيص بارع لأزمة الوجود الإنساني. ففي الفصول الأخيرة حين ينتهي بالحمزاوي الحال، معتزلاً، ممدداً في حديقة يتأمل السماء ويسمع أصواتاً ويرى شخصيات تُراوح بين صديقه الخارج من السجن عثمان خليل الذي يخبره ــــ بينما لا يفهم القارئ إذا كان ذلك حلماً أم حقيقة ـــ أنه تزوج من ابنته بثينة، ثم تتداخل الشخوص وتحل رؤوس بعضهم في موضع رؤوس آخرين، في تناول خيالي كاشف لقدرات محفوظ في مزج الواقع بالخيال والعبث.
ولعل قدرات استخدام محفوظ للضمائر بشكل متداخل ما بين ضمير الغائب والمخاطب والمتكلم في الكثير من أعماله، بقدر ما أسهمت في إضاءة أفكار ودواخل الشخصيات في الروايات الواقعية بقدر ما أحكمت من تمكّنه من صياغة السرد بشكل يميل إلى الخيال إذا اقتضى الأمر. وأبرز مزايا هذه الوسيلة الانتقال الرشيق بين الخيال والواقع بشكل مدهش.
كما أننا سنجد إرهاصات للمسات الفانتازيا في الكثير من الأعمال الواقعية عبر الأحلام. إضافة إلى النماذج التي سبق ذكرها، سنراها في بعض مشاهد الأحلام التي كانت تتداعى على ذهن سيد الرحيمي بطل رواية «الطريق» في رحلة بحثه عن والده المجهول وفي أعمال أخرى عدة.
ولعل «الحرافيش» و«أولاد حارتنا» أيضاً من بين أعماله التي تناولت الفانتازيا بأشكال غير مباشرة، سواء عبر طاقة الرمزية الكبيرة في شخصيات «أولاد حارتنا»، والطابع الذي صُوِّر به البيت الكبير للجبلاوي بما يحيط به من غموض، أو بعض رموز الواقع الافتراضي لملحمة «الحرافيش» حيث توجد دائماً تكية تُسمع منها ترانيم غامضة بلغة غير مفهومة (أشعار فارسية كما هو معلوم)، والاختفاء الغامض لعاشور الناجي الذي يجعل منه رمزاً غامضاً لقيم ومثل عليا لم يمكن لغيره أن يتمثلها.
وحتى في الكثير من قصص نجيب محفوظ وبعضها يتخذ تيمات مثل الشك والبحث عن المعنى، سنجده يسبغ على موضوعات القصص نفسها الطابع الرمزي الذي يقربها من الغرابة والفانتازيا، من حيث الغاية، مثل قصة الزعبلاوي من بين قصص مجموعة «دنيا الله». وهي ترتكز على تيمة «البحث» التي تفيض بها أعمال محفوظ: البحث عن الله، عن الأب، عن معنى الحياة. فقد كانت مسيرة البحث تيمة رئيسية في الكثير من هذه الأعمال الأدبية، لا تنتهي إلى إجابة بقدر ما تعمل على طرح الأسئلة. وهو ما سنجده في الزعبلاوي و«الطريق» و«قلب الليل» وأسئلة كمال الوجودية في الثلاثية وغيرها وغيرها.
تكشف إعادة قراءة أعمال محفوظ عن الإمكانات الباطنية في التأويل وإعادة التأويل التي تحققها هذه القراءة، ما يدلّ على تركيب مستويات السردية وهي كلها كاشفة لأن فكرة ربط أعماله بالواقعية ليست دقيقة. فالأعمال الواقعية بشكل عام تهتم برصد زمن محدد وتحليله، بينما الفانتازيا تهتم عادةً بالرمز والتأويلات المتعددة التي تتعدد بتعدّد القراءات وتختلف باختلاف الزمن. وهذا ما أزعم أن محفوظ كان حريصاً على إنجازه.
أعمال نجيب محفوظ تحتفظ بطاقة خيال مدهشة، كانت ولا تزال، وليس هذا مستغرباً على كاتب أنطق العوام بالفصحى تأكيداً على فكرة الفن الأدبي في مفارقته للواقع، ولقناعته بأن هذا الفن ليس تمثيلاً للواقع ولا تسجيلاً له أو حتى إعادة إنتاج له بقدر ما هو إنتاج نص فني أدبي مواز يفتح السؤال ليس عن الواقع الراهن فقط، بل يمتد ليلبسه زياً أشمل يجعل من السؤال سؤالاً إنسانياً وكونياً يخص البشر في أزمنة وأماكن أخرى.
* كاتب مصري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك