الوعي باللغة في زمن السيولة
أظن أنّ أكثر ما يلفت انتباهي في عمل روائيّ هي اللغة، لأنها تحمل دلالات عدة، من بينها مهارة الكاتب ومعرفته بأهم أدواته، من جهة، ووعيه بفكر اللغة أو الدور الذي تلعبه في تأصيل شكل السرد، من جهة أخرى.


أظن أنّ أكثر ما يلفت انتباهي في عمل روائيّ هي اللغة، لأنها تحمل دلالات عدة، من بينها مهارة الكاتب ومعرفته بأهم أدواته، من جهة، ووعيه بفكر اللغة أو الدور الذي تلعبه في تأصيل شكل السرد، من جهة أخرى. وأعتقد أيضاً أنّ هذا الوعي باللغة يمكن تبيّنه لدى كتّاب تطورت لغتهم السردية في أعمالهم الأدبية باطّراد، وأبرز نموذج لهم نجيب محفوظ، الذي بدأ بلغة فصيحة متطورة محدثة أي مختلفة عن لغات سردية وأدبية سائدة آنذاك؛ مثل لغة مصطفى لطفي المنفلوطي السردية على سبيل المثال، مع العمل على ابتكار فصحى خاصة للحوارات تُترجم العامية بذكاء شديد وتحافظ على طبيعة الشخصية الروائية وهويتها الاجتماعية والطبقية.
ثم انتقل محفوظ لاحقاً إلى لغة معاصرة شديدة البلاغة تقوم على استعارة اللغة الكلاسيكية كما في رواية «السراب» مثلاً، وربما بعض الأعمال المبكرة، قبل الانتقال إلى لغة أكثر عصرية من دون الإفراط في الحرص على تطويع اللغة للوصف الخارجي والباطني وتيّار الوعي كما نرى في الثلاثية، قبل بدء نوع من تجريد اللغة الذي يشبه استخدام «الروتوش» في رسم المشهد كما في غالبية روايات الستينيات، «اللص والكلاب»، أو «ميرامار» و«حضرة المحترم» وغيرها.
هذه النقلات في مستويات اللغة السردية تعكس وعياً شديداً، بل اهتماماً كبيراً بالدور الجوهري للغة في النص الأدبي، وبضرورة بذل جهد كبير في جعل اللغة كائناً حياً يمنح السرد الحيوية الواجبة، عبر تغيير طبيعة اللغة وفقاً للمضمون أو للشكل، ووفقاً للتغيرات الثقافية والاجتماعية أيضاً.
ظهرت محاولات لغوية بعد الربيع العربي لاختبار السيولة العامة في الأدب
ولعلّ أعمال جمال الغيطاني من بين الأعمال الأدبية التي جاءت لتقدم وعياً سردياً جديداً باللغة باستحداث لغة تراثية وقروسطية، ربما، للتعبير عن شخصيات روائية معاصرة في الزمن الراهن. وهي من التجارب اللافتة في محاولات تأصيل التجربة الروائية العربية المعاصرة، إمّا بنقل تاريخ قديم للزمن المعاصر عبر اللغة، بدلاً من العودة للتاريخ سردياً كما هو شائع، أو في توسّل اللغة التي تستعير خطابات الأشواق والتجليات الصوفية. وعلى جانب موازٍ، قدم الكاتب إميل حبيبي أيضاً تجارب سردية تعكس هذا الوعي اللغوي المتميز، في أعمال عدة، وخصوصاً «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» وغيرها.
وهذه أمثلة بسيطة للتدليل على بعض نماذج من الكتّاب الذين أبدوا وعياً كبيراً بدور اللغة في السرد، ليس فقط من حيث كونها وسيلة تعبير، بل أيضاً أداة سردية لها دور كبير في تشكيل الخطاب الفكري للنص.
لهذا تلفت انتباهي، على مستوى معاكس، نصوص الكاتب الذي تتشابه لغته في أعماله كافةً، أو تتخشّب لغة السرد لديه، أو تتصلّب، في عمل أدبي يضم أصواتاً متعددة، لكنه يمنحها صوتاً وحيداً بلغة واحدة وصياغة متماثلة. أنتبه لها لأنّها تزعجني. أو بالأدق تثير حفيظة ذائقتي، لأنها تشير إلى هنّات في استيعاب طبيعة اللغة في السرد الأدبي.
هذا السرد المتطابق أو ذو المستوى السردي الواحد، يفتقد إلى نوع من استيعاب، أو ربما يسهو عن أنّ المدد الاجتماعية المتقلقلة قد تفرض نوعاً من الشطط في استخدام اللغة؛ سواء بالاتجاه إلى العامية من دون وعي كبير بجمالياتها (على عكس وعي إبراهيم أصلان مثلاً بهذه الخاصية كما نرى في أعماله كافةً تقريباً، وخصوصاً الحوار الشديد الذكاء)، أو تقصّد الابتذال، بالمعنى السلبي، تعبيراً عن حالة أناركية يرغب الكاتب في تضمينها في النص... أو استعارة الكاتب للغة فصيحة كانت تُستخدم في زمن آخر، أو استخدام لغة عصرية مبتذلة للتعبير عن عصرٍ كان يمتلك لغة خاصة وبلاغة مختلفة.
للتوضيح أقول إنّ المدة التي أعقبت ما يسمّى بالربيع العربي بما صاحبه من قلاقل واضطرابات وتغيرات سياسية واجتماعية، وما أسفر عنه من سيولة، أنتجت أو أسهمت في ظهور نصوص أدبية ومحاولات لغوية أرادت أن تغتنم فرصة اختبار السيولة العامة في مجالات غير المجال السياسي العام، مثل الأدب واللغة كجزء من التعبير عن موقف سياسي وأخلاقي، وهو ما يشيع عقب الاضطرابات السياسية والاجتماعية.
على سبيل المثال، هذه القلاقل اللغوية كانت رديفاً للقلاقل الاجتماعية والثقافية التي ظهرت في فرنسا عقب ما يسمّى بالثورة الفرنسية. وهو ما عبّر عنه الفرنسي فيليب دوفور، الأكاديمي الفرنسي، بقوله إنّ الانتقال الذي عرفته اللغة من النموذج الثابت المكتمل (المرحلة الكلاسيكية) إلى النموذج الساعي إلى التطور، عقب الثورة، كان بمنزلة انتقال من التكرار وإعادة الإنتاج ومخالطة التاريخ إلى إبداع لغة جديدة وفكر جديد يسايران المستجدات التي عرفها المجتمع بعد الثورة (السعي إلى الديموقراطية)، أي الانتقال من اللغة الموجهة القائمة على أعراف معينة وقواعد ثابتة وخاضعة للرقابة إلى لغة سقطت معها اليقينيات وقضت على أسطورة وضوح اللغة.
هو يوضح أنّ فكرة «القطعيّة» في الأمور وبينها اللغة، تعرّضت للاهتزاز، فلم تعد هناك لغة واحدة غير قابلة للانقسام. وغدا الكاتب يعرف أنّ «اللغة تتألف من رؤى للعالم المتحول».
من هذا المنطلق، أطلق دوفور على الرواية التي تأسست على هذا المنظور الجديد للغة ما يسميها رواية فقه اللغة. ووفقاً له هي ما يمكن تسميته برواية الشك التي تعيد النظر والتفكير في اللغة، وعبرها يمارس الروائي عملاً نقدياً ضد البديهيات التي كرّستها المجتمعات التقليدية.
إن هذا الوعي طبيعي إثر القلاقل اللغوية والثقافية التي تعانيها الكثير من المنتجات الأدبية المعاصرة على الأدب من جهة، والوعي بأن الظواهر الطارئة الناتجة من هذه القلاقل الثقافية لا تستقرّ بقدر ما تؤدي دوراً رئيسياً في توثيق متغيرات ثقافية وأدبية تمرّ بها المجتمعات الأدبية.
هذه التجارب أو المراحل مرّت بها غالبية المجتمعات الثقافية، وشهدت منتجات أدبية يمكن وصفها بالفوضى الأدبية أو الزوابع السردية، لكن ثبُت أن ما استقر منها وأصبح معبّراً عن «الوعي السردي» بينها؛ هو ما بقي واستمر أثره، إذ يتجدد ويقاوم الزمن ويخلق أساليبه الجديدة وفي القلب منها «الوعي باللغة».
* روائي وكاتب مصري
