رواية الطريق بين الذاكرة والخيال
ثمة أعمال أدبية سرديّة يبدو أسلوب الكتابة فيها أقرب ما يكون لحالة المشي التي يقوم بها الجوّالة والرحّالة والمغرمون بالمشي. وفي ذهني الآن بين أمثلتها الناصعة بعض روايات صنع الله إبراهيم، وربما «نجمة أغسطس» بشكل خاص.


ثمة أعمال أدبية سرديّة يبدو أسلوب الكتابة فيها أقرب ما يكون لحالة المشي التي يقوم بها الجوّالة والرحّالة والمغرمون بالمشي. وفي ذهني الآن بين أمثلتها الناصعة بعض روايات صنع الله إبراهيم، وربما «نجمة أغسطس» بشكل خاص. وبالتأكيد بعض روايات كافكا مثل «أميركا والقلعة». في نصوص مماثلة، يمشي القارئ مع السرد كأنه يمضي في طريق يلجه للمرة الأولى، ويدهشه ما يدهش السارد، ويفاجأ بمفاجآت الطريق، مثله تماماً.
تواطؤ القارئ مع النص يمنح النص حالةً من التشويق رغم أنّ النص يتخذ «مساراً» محدّداً بالطريق.
هذا التشويق يذكّرني بغواية الكلام حينما كنا شباباً نقطع الطرقات مشياً، ونجد الفرصة لمناقشة فكرة أو كتاب أو قصيدة. وربما لذلك ارتبط عدد من الفلاسفة والمفكرين والكتاب بالمشي، ووُصفوا بالمشّائين مثل أرسطو، نجيب محفوظ، ابن رشد، جان جاك روسو الذي كتب «إن السفر على الأقدام لهو السفر الذي يمشي فيه المرء على خطى طاليس وأفلاطون وفيثاغورس. وأجدني عاجزاً عن فهم أيِّ فيلسوف يفضِّل وسيلة أخرى للتنقُّل: فكيف له أن ينتزع نفسه من الكنوز الملقاة عند قدميه وعينيه؟».
عملية الكتابة نفسها تتماثل في ظني مع المشي بشكل ما. المشي في طريق مجهول، لا يعرف المرء إلى أين يقوده. ولا ما قد يتضمنه من بشر أو مبانٍ أو سكان أو قطاع طريق. يعرف الكاتب فقط أنه سوف يسلك هذا الطريق، لكنه لا يمكنه التكهن بما سيجده أو يكتشفه. الرواية بهذا المعنى نوع من المشي لأطول وقت ممكن!
هذا عن عملية الكتابة بشكل عام، لكن أيضاً في رواية الطريق، تجد آثار المشي أكثر وضوحاً. ربما يغيب الطريق أحياناً عن رؤية السارد في حالة سيطرة الوعي على الذات الشاردة في مونولوج داخلي لا تستيقظ منه إلا بسبب رصيف بارز، أو الوقوع في نقرة صغيرة، أو ربما محاولة تفادي مار عابر غير يقظ كما تفعل السيدة دولاواي في رواية فيرجينيا وولف... أو يكون غارقاً في أفكاره الوجودية لا يعرف أين يمضي أو إلى أين مثل كمال عبد الجواد في الثلاثية.
لكن في تجارب سردية أخرى، قد تكون ذات السارد متيقظةً بشكل تام لكلّ شاردة وواردة. وبفضل هذا الوعي، تجد الحواس كلها في أوج قوتها، ما يمنحنا كقراء مشاهد بصريةً مفصلةً، من مبان وآثار راسخة تجعل من وجودها في هذا الطريق وذلك المكان ملامح تاريخية، ثم نشمّ روائح، ونرى ملامح راسخة لبشر عابرين.
«وضعت حقيبتي فوق الرفّ ووقفت أتأمّل الديوان الخالي وخلفي في الممرّ الضيق، كان الركاب يهرعون إلى أماكنهم. وفي الخارج كان الناس يتزاحمون أمام نوافذ القطار. تقدمت من النافذة، فألفيت مصراعها الزجاجي محكم الإغلاق. ورأيت من خلاله زحام المودعين أمام نافذة الديوان التالي. كانت شفاههم تتحرك بسرعة، وقد مالت رؤوسهم إلى الأمام وانتفخت رقابهم. ولا بد من أنّهم كان يصيحون حتى يسمعهم المسافرون من أقارب وأصدقاء. لكن الزجاج كان سميكاً لا ينفذ منه الصوت.
فقد كان القطار واحداً من تلك القطارات الحديثة المكيّفة الهواء وهي كذلك محكمة الإغلاق. جلست إلى جوار النافذة. وبعد لحظة، شعرت بوطأة الحر. وتجمّع العرق على وجهي، ففككت أزرار قميصي، وعندئذ تحرّك القطار من دون أن ينضم أحد إلى قمرتي. وبدأ جهاز التكييف يعمل، فتسلّلت إلى الديوان برودة خفيفة. مددت ساقي أمامي مستسلماً للمقعد. وكنا قد خلفنا شوارع القاهرة. ومرّ القطار بمجموعة من المساكن الشعبيّة بلونها الأصفر الباهت وزواياها البارزة المتجاورة وزحام الغسيل في شرفاتها وأكوام القاذورات أسفلها. وجاءت بعدها العشش ثم ظهرت بعض الحقول فجأة».
هذا مفتتح رواية «نجمة أغسطس» الذي يمنحني الشعور بما أسمّيه رواية الطريق. ورغم حداثتها، وانحيازها إلى منحى تجريبي يعتمد التشظي في الفصل الثاني، لكنها بشكل عام رواية تنتمي إلى الواقعية، تخضع تفاصيل ما يراه الراوي للمنطق الواقعي. وهو ما ينطبق وبشكل أكثر وضوحاً ربما في رواية جاك كيرواك الشهيرة «على الطريق» التي تتناول سيرة رحلة الراوي بين مدن أميركية عدة، بحثاً عن المعنى الغائب كما يشير، أو عن الأصدقاء، أو عن ذاته في الغرب الأميركي، بينما في جوهرها هي رحلة بحث عن الذات، أو بحث عن الله في قراءات مختلفة لها.
وهذه الأمثلة وغيرها، تكشف لوناً من ارتباط البشر بالمكان، وكيفية التأثير المتبادل بينهما، في الوقت نفسه. ولكن وصف المكان في الرحلة يكون عابراً، لا يعود له، ولن يكون، على عكس وصف أحياء مصر القديمة مثلاً في ثلاثية محفوظ التي تتكرّر بتكرار عبور شخصيات الرواية في الطرق ذاتها.
بينما أحاول تأمل روايات طريق فانتازية فلا تسعفني الذاكرة من الأدب العربي بالكثير، تتعدد روايات الطريق العجائبية في الغرب، وهي نوع من الروايات التي تركز على الرحلات أو المغامرات الطويلة التي يقوم بها الأبطال في عالم خيالي.
إنّها روايات تدور وقائعها وتفاصيلها غالباً حول طريق آخر، غير تقليدي، إذ يسافر أبطالها عبر أراضٍ شاسعة وغريبة، يواجهون تحديات، ويكتشفون أماكن جديدة، ويتطورون، أو ينضجون، أثناء رحلاتهم. من بين أشهر هذه الرحلات، سواء كانت في البرّ أو البحر أو عبر العوالم المتوازية: «سيد الخواتم» لحي آر توكين، التي تدور في عوالم مختلفة مثل ممرات الجبال أو الغابات المعتمة أو باطن الأرض، أو «أغنية الجليد والنار» لجورج مارتن، وفيها رحلات عبر القارات، أو «دورة التميمة» لآر إيه سالفاتوري، وهي سلسلة خيالية تركز على مغامرات بطل الرواية الذي يسافر عبر أراض مجهولة ويواجه مخلوقات سحرية ويتعامل مع أساطير خيالية، و«ثلاثية البركان» لنيل جايمان وغيرها.
الروايات التي تركز على السفر والرحلات لا تُظهر فقط الأماكن الجديدة، لكنّها تعكس أيضاً نمو الشخصيات وتعلّمها خلال الطريق. في هذه القصص، تكون الرحلة أكثر من مجرد انتقال بين الأماكن، بل تجربة لتغيير الذات، وغالباً ما تُعتبر التجارب التي يمرّ بها الأبطال في رحلاتهم بمنزلة خطوات حاسمة نحو النضج كما أشرت.
ومن البديهي أنّ الاختلاف الرئيسي بين رواية الطريق الواقعية تختلف عن مثيلتها الفانتازية في المنهج: بينما تعتمد الأولى على الذاكرة، مثل الشائع في الرواية الواقعية التي تعود لأماكن معروفة في الواقع، فإن الثانية تعتمد على الخيال. وربما من الأدق القول «الخيال الجامح»؛ أي ابتكار مكان لا وجود له في الواقع، وبالتالي فإنّ ما يمر به العابر أو المشّاء أو الرحّالة غريب ومختلق ومبني على اقتراحات خيالية.
وبهذا يكون السؤال: لماذا يفضل الكاتب العربي الذاكرة على الخيال؟ سؤال مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسؤال آخر: لماذا يفضل القارئ العربي الذاكرة على الخيال؟
الإجابة عن السؤال تكشف مأزق رواية الفانتازيا العربية على أي حال.
* كاتب وروائي مصري
