ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

ابن رشد وسلطة القارئ في غياب الخيال!

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

منذ أن أعلن رولان بارت عن «موت المؤلف»، والقارئ يتقدّم، خطوةً بعد أخرى، من الهامش باتجاه دور مركزي. لم يعد القارئ إذن ذلك الكائن الصامت الذي ينحني أمام قدسية النص، بل بات يحدّق فيه، يناقشه، أحياناً يرفضه، وقد يجرّده من شرعيته. 

إبراهيم فرغلي
إبراهيم فرغلي
السبت 26 نيسان 2025
أعاد الباحث الفرنسي جان باتيست بروني النظر في مفهوم الخيال داخل المنظومة الفكرية لابن رشد
أعاد الباحث الفرنسي جان باتيست بروني النظر في مفهوم الخيال داخل المنظومة الفكرية لابن رشد
الخط


منذ أن أعلن رولان بارت عن «موت المؤلف»، والقارئ يتقدّم، خطوةً بعد أخرى، من الهامش باتجاه دور مركزي. لم يعد القارئ إذن ذلك الكائن الصامت الذي ينحني أمام قدسية النص، بل بات يحدّق فيه، يناقشه، أحياناً يرفضه، وقد يجرّده من شرعيته.

وبينما كانت العلاقة بين القارئ والكاتب تقوم على التكامل في إنتاج المعنى، يبدو أنها تحوّلت في الزمن الرقمي إلى نوع من التنافس أو «التنازع على السلطة»!

داحس والغبراء على «غودريدز»

في فضاءات تطبيقات حديثة من مثل (غودريدز) Goodreads، لم تعد القراءة فعل تأمل، بل أضحت ساحةً صاخبة يُحاسب فيها الكاتب على نصه، وأحياناً على شخصه. تُطلق الأحكام، تُشن الهجمات، وتُوزّع النجوم والعقوبات، في مشهد ثقافي جديد تتداخل فيه حرية التعبير مع الرغبة في الهيمنة، ويُمارَس فيه «القتل الأدبي» لا بصمت الرصاص، بل بصوت جماعي صارخ، يقصف السمعة ويصادر النص.

هل نحن أمام «تحرّر للقارئ» حقاً أم ديكتاتورية ذوقية جديدة؟ هل ما يحدث هو دفاع عن القيم، أم مجرد قمع بلغة شعبية؟ وهل أصبحت حرية الكاتب مشروطة برضى جمهور متقلّب ومجهول؟

وظني أنه في زمن يتكاثر فيه الحديث عن سلطة القارئ وتحوّله من متلقٍ خلاق يكمل النص بقراءته له وتفكّره في مضمونه إلى صاحب سلطة قرائية تمارس دوراً يشبه دور الناقد بلا أدوات، ويفرض ذوقه الأدبي على قراءاته، أقول في هكذا زمن، قد يكون من المفيد الإحالة إلى اسم الفيلسوف الأندلسي ابن رشد كنافذة فكرية يمكن عبرها تأمّل هذا التحول، وربما مساءلة واقعنا العربي الراهن الذي يبدو بعيداً من تفعيل هذه الإمكانية.

من المعروف أن أعمال ابن رشد ومقولاته التي ضمّنها شروحه لأرسطو ـــ وفقاً لدراسات الباحثين المعاصرين ـــ أسفرت عن تأويل نصوصه في إطار مقاربات جديدة لفهم أفكاره عن العقل باعتبارها صلة الوصل بين فعل التفكر وبين الخيال.

الخيال عند ابن رشد، وفقاً لما يذهب إليه الباحث الفرنسي جان باتيست بروني مثلاً، ليس مجرد زخرفة أو اجترار للوهم، بل قوة إدراكية ضرورية للعبور من المحسوس إلى المعقول. فالإنسان لا يُعقل إلا ما تَخَيَّله أولاً، ولا يتخيل إلا ما أدركه حساً. بهذا المعنى، يصبح الخيال عنده أداةً تأسيسية للمعرفة، أو ربما الجسر بين العالم والتأمل فيه، بين التجربة والتفكير.

أنا أتخيّل

في دراسته الفلسفية العميقة «أنا أتخيل: ابن رشد وفضاء المقدرة»، يُعيد الباحث الفرنسي جان باتيست بروني النظر في مفهوم الخيال داخل المنظومة الفكرية لابن رشد، مبرزاً دوره الحيوي والمفصلي في عملية التفكير والإدراك العقلي. بخلاف التصورات الفلسفية التقليدية التي اختزلت المعرفة في النشاط العقلي المجرد، يؤكد بروني أن ابن رشد لا يفصل بين العقل والجسد، بل يرى أنّ الخيال يشكّل جسراً ضرورياً بين الإحساس والتفكير.

فالإنسان، بحسب هذا التصور، يبدأ بالإدراك الحسي، ثم تنشط القوة المتخيلة التي تحفظ الصور الجزئية والتجريبية، لتقوم بعد ذلك بتحويلها إلى معانٍ عامة تؤسس للفكر العقلي.

الخيال في فلسفة ابن رشد – كما يوضح بروني – ليس قوة تابعة أو ثانوية، بل قوة نشيطة، حيوية، وأساسية في إنتاج المعرفة. ومن هذا المنطلق، يرى بروني أن ابن رشد يقدم تصوراً فلسفياً فريداً يُدمج فيه الجسد والخيال والعقل في وحدة متكاملة، ويحرّر الخيال من التهميش الذي لحق به في الفلسفة الكلاسيكية، ليجعل منه فضاءً للإبداع، ومجالاً لفهم الذات والواقع.

هذا التصور يحمل أبعاداً معرفية وفلسفية مهمة، لأنه يمنح الخيال وظيفةً معرفيةً متقدمة، لا تقف عند حدود التصوير أو التقليد، بل تمتد لتشارك بفعالية في تشكيل الفكر والوعي، ما يجعل من دراسة بروني مساهمةً جريئة في إعادة قراءة ابن رشد بعيداً من التصنيفات التقليدية التي اختزلته كـ«شارح لأرسطو»، نحو فيلسوف يحمل مشروعاً إبستمولوجياً متجدداً. وأظن أن قراءات عربية محدودة لابن رشد تمكّنت من سبر هذا الجانب الإبداعي لدى ابن رشد.

في المقابل، تمثّل المنصات الحديثة مثل Goodreads تحوّلاً جوهرياً في العلاقة بين القارئ والنص. فالقارئ لم يعد مجرّد كائن يتلقى المحتوى، بل أصبح يُنتِج تأويله؛ يُقيّم، يكتب، يراجع، يُوصي، ويرفض. إنها سلطة القارئ وقد خرجت من الظلّ. لكن هذه السلطة انزاحت عن مكانها الطبيعي بوصف القارئ شريكاً في إنتاج المعنى إلى حالة يشبه فيها القارئ حاكماً استبدادياً، يقيّم النصوص بمعيار رقمي، ويمنع قراءة نصّ ويجيز قراءة آخر وفقاً لأهوائه التي قد تراوح بين قناعات أيديولوجية أو معايير أخلاقية، أو وفقاً لذوقه الخاص حتى لو كان ذوقاً بدائياً بسيطاً، كما أشرت في مقال سابق. وفي المناسبة، أعمال ابن رشد العربية تخضع لهذه السلطة الرقابية القرائية العربية أيضاً!

القارئ... حاكماً مستبدّاً

أي إن القارئ، وهذا ليس تعميماً أو هكذا أرجو، أزاح دوره الطبيعي منحازاً إلى دور سلطوي يخالف الفكرة الطبيعية والبديهية لدور القارئ، التي يمكن أن نجد نقطة التقاء غير متوقعة بينها وبين فكرة ابن رشد عن الخيال: فكلاهما يمنح الخيال وظيفةً معرفية.

القارئ حين يكتب مراجعة، يُفعّل خياله، يملأ الفجوات، يعيد تشكيل النص عبر تجربته، يُسائل اللغة، على أمل أن يتجاوز ظاهر النص إلى فضاء تأويلي حرّ.

غير أن هذه الإمكانية، وإن كانت مُتاحة نظرياً، تبدو شبه غائبة في السياق العربي. ما يزال الخيال في ثقافتنا يُنظر إليه كترف، كما قد يُنظر إلى المشاركة التأويلية كوقاحة، إذ إن الكاتب أحياناً ما يعدّ نفسه سلطة لا تُمس، وقد يمنحه بعض القرّاء هذه السلطة.

بالتالي، لم تحدث القطيعة الحاسمة مع سلطة المؤلف، ولم تتكرّس بعد ثقافة القارئ المنتج ونتجت بدلاً منها ثقافة القارئ السلطوي الذي يرفض القراءة، أو المشاركة في التأويل، ويتمسك بأدوات قمع وهمية مغتنماً فرصة امتلاكه حسابات على وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة.

وظنّي أنّ غياب العقلية العربية عن هذا المشهد لا يعود فقط إلى غياب استيعاب الدور الحقيقي للأدوات الرقمية، بل إلى غياب البنية الثقافية التي تُؤمن بأن المعنى ليس مغلقاً، وبأن النصّ لا يكتمل إلا بفعل قراءة نشطة أو فعالة وحرة أيضاً.

بهذا المعنى، فإن حضور ابن رشد في هذا السياق ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لإعادة التفكير في علاقتنا بالمعرفة والخيال والنص. وبينما يُفعّل القارئ الغربي خياله ليتحول إلى مؤوّل، يبقى القارئ العربي أسيراً لنصّ لا يسمح له بأن يراه وجهاً لوجه. لعل الوقت قد حان لاستعادة ابن رشد، لا كاسم في كتب الفلسفة، أو تراث بال عفا عليه الزمن، كما يردد بعضهم، بل كممارسة ثقافية تُحرّر الخيال، وتُفعّل القارئ، وتُنتج عقلاً قادراً على أن يرى، ويقرأ، ويكتب.

* كاتب مصري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك