من رفح إلى كشمير... المعركة (الاستعمارية) واحدة!
تتداخل الأيديولوجيات والمصالح الجيوسياسية في مشهد عالمي مضطرب، لتنتج تحالفات قد تبدو غريبة للوهلة الأولى. كيف اجتمعت القومية الهندوسية مع الصهيونية واليمين الأميركي على جبهة واحدة؟


تتداخل الأيديولوجيات والمصالح الجيوسياسية في مشهد عالمي مضطرب، لتنتج تحالفات قد تبدو غريبة للوهلة الأولى. كيف اجتمعت القومية الهندوسية مع الصهيونية واليمين الأميركي على جبهة واحدة؟
تتصاعد الأعمال العدائية بين الهند وباكستان بشكل واضح. وراء هذا التصعيد العسكري دوافع تتخطى المصالح الجيوسياسية والتنافس النووي، وتصل إلى عمق الهوية الأيديولوجية التي تتبناها الهند حالياً. ما الذي يحرك الهند في هذا النزاع؟ ولماذا يبدو هذا الصراع مرتبطاً بعقيدة قومية دينية؟ للإجابة، علينا النظر إلى نقطة أساسية: الهندوتفا.
الهندوتفا: الجذور الأيديولوجية
في بداية القرن العشرين، عاشت الهند صراعاً هوياتياً وسياسياً تحت الاستعمار البريطاني. ضمن هذه الظروف، خرجت أفكار تدعو إلى توحيد الهندوس في كيان قومي موحّد.
مع تنامي القومية الهندوسية، أخذ التأثر بالصهيونية شكلاً واضحاً في الهند، خصوصاً مع توسع نفوذ «الهندوتفا»، وهي أيديولوجيا هندوسية قومية متشددة.
يُعتبر فينايك دامودار سافاركار (1883-1966) المؤسس الفعلي لأيديولوجيا «الهندوتفا»، قدّم في كتابه «هندوتفا: من هو الهندوسي؟» عام 1923 رؤيةً قومية متشددة تؤكد على الهوية الهندوسية كمرجعية وطنية، ورفض اعتبار المسلمين والمسيحيين جزءاً من الهوية الوطنية الهندية لأنهم لا يعتبرون الهند «الأرض المقدسة» لهم.
أعرب سافاركار عن إعجابه بالصهيونية لأنها تسعى إلى إقامة دولة يهودية على أساس عرقي ــ ديني، ورأى في ذلك نموذجاً يُحتذى به لتحقيق «الهند الهندوسية» على حساب الأقليات. مقولته الشهيرة: «إذا تحقق الحلم الصهيوني، ستصبح فلسطين دولة يهودية، وسنكون سعداء بذلك مثل أصدقائنا اليهود».
بعده، جاء مادهاف ساداشيف غولوالكر (1906-1973)، القائد الروحي لحركة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS)، الذي كان من أبرز المنظرين للأيديولوجيا الهندوسية القومية.
في كتابه «نحن... أمتنا تُعرّف بهويتها الهندوسية» الصادر عام 1939، أعرب عن إعجابه بالقومية اليهودية في «إسرائيل»، واعتبرها نموذجاً لبناء أمة على أساس نقاء الهوية الدينية. رأى غولوالكر في الصهيونية تجربةً ناجحة في استعادة «الوطن القومي» وتطهيره من العناصر «الغريبة»، وهو ما دعا إلى تطبيقه في الهند.
في السنوات اللاحقة، خصوصاً بعد صعود حزب «بهاراتيا جاناتا» (BJP) في التسعينيات، تحولت هذه الأفكار من نظريات فكرية إلى سياسات رسمية. عزّز رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي (1998-2004) العلاقات الديبلوماسية والعسكرية مع «إسرائيل»، ثم جاء ناريندرا مودي (2014 حتى الآن) ليكمل هذا النهج، وكانت أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى الكيان العبري في عام 2017، ما اعتُبر تحوّلاً نوعياً في العلاقات بين البلدين.
نشأ التحالف بين الهندوتفا والصهيونية على أسس إستراتيجية وعقائدية، فاعتمد القوميون الهندوس النموذج الصهيوني الذي يركّز على دولة قومية متجانسة ذات هوية دينية واحدة. واعتمدت حكومة مودي خطاباً معادياً للإسلام وللحركات الانفصالية في كشمير، ما عزّز الروابط العقائدية بين الطرفين. ثم تطورت العلاقة تدريجاً حتى تجاوزت التعاون السياسي والعسكري، واندمجت ضمن هوية سياسية مشتركة تجمع التيارات اليمينية في البلدين.
الهندوتفا في مواجهة باكستان
تعتبر «الهندوتفا» باكستان الهدف المباشر لمشروعها القومي. تُقدم على أنّها مركز التحدي الإسلامي الذي يهدّد الهوية الهندوسية، ما يبرّر التصعيد العسكري ضدها كلما تفاقمت التوترات. في هذا السياق، تتخذ الأعمال العدائية بين الهند وباكستان طابعاً يتجاوز المناوشات الحدودية، ما يمنحها بُعداً عقائدياً تسعى عبره الهند إلى تثبيت قوتها القومية عبر استهداف ما تصفه بـ«العدو الإسلامي».
الحكومة الهندية لا تتردد في الترويج لخطاب يعتبر المواجهة مع باكستان خطوةً ضرورية نحو استعادة «عظمة الهندوس». ويظهر هذا التصعيد بوصفه امتداداً لمشروع أوسع، يهدف إلى إعادة صياغة مفهوم الوطنية ضمن إطار ديني صارم. يندمج الولاء للدولة مع الانتماء للعقيدة الهندوسية، ما يضفي على النزاع بُعداً يتجاوز السياسة التقليدية.
في هذا المشهد، يبدو الولاء للهند أشبه بطقس ديني، إذ يُصور الانتماء القومي كأنّه واجب مقدّس لا يقبل النقاش. أي محاولة للتشكيك في سياسات الدولة، تكتسب طابعاً عدائياً، كأنها تطاول على جوهر العقيدة نفسها. بهذا الشكل، تضع الحكومة الهندية أفعالها ضمن سياق قدسي، يجعل الاعتراض على قراراتها يبدو كأنّه كفر، ويُشعر المواطن أنه جزء من معركة وجودية تهدف إلى حماية روح الأمة.
التماهي مع ترامب
الغريب في هذه القصة أن تيار «الهندوتفا» لم يعد مقتصراً على الهند وحدها، فقد بدأ يتوسع ليشكل تحالفات سياسية على الساحة الدولية. أهمّ هذه التحالفات ظهر في الولايات المتحدة، حيث وجد أرضية مشتركة مع حركة «ماغا» (لنعد لأميركا عظمتها) التي يروّج لها الرئيس ترامب.
من تابع الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، يلاحظ تنامياً واضحاً في الوجود الهندي ــ الأميركي داخل أروقة السلطة. شهدت هذه الانتخابات بروز شخصيات عدة ذات أصول هندية، من بينها: كامالا هاريس (نائبة الرئيس السابق جو بايدن)، فيفيك راماسوامي (ترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري قبل أن يتنازل لمصلحة ترامب)، نيكي هيلي (ترشحت للرئاسة)، هيرش فاردان سينغ (ترشح للرئاسة)، كاش باتيل (حليف بارز للرئيس دونالد ترامب الذي أوكل إليه منصب مدير الـFBI)، وأوشا فانس (زوجة جي دي فانس، نائب الرئيس ترامب).
إلى جانب هؤلاء الشخصيات، شهد الكونغرس الأميركي توسعاً في عدد الأعضاء من أصول هندية. أصبح «تجمع الساموسا» يضم ستة أعضاء في مجلس النواب بعد الانتخابات الأخيرة. يشير المصطلح إلى تجمّع غير رسمي يحمل اسم وجبة هندية خفيفة شهيرة، وقد أطلقه النائب راجا كريشنامورثي عن الدائرة الثامنة في ولاية إلينوي عام 2018.
وفي 19 كانون الثاني (يناير) 2025، تجمع مؤيّدو ترامب في احتفال تنصيبه الثاني في واشنطن، إذ شهد هذا الحدث ظهوراً لافتاً لشخصيات بارزة من التحالف الهندوسي الأميركي (American Hindu Coalition) الذي يعدّ داعماً قوياً لترامب.
كان من بين الحضور إحدى قيادات HAF (المؤسسة الهندوسية الأميركية)، راجيف بانديت، الذي عبّر بحماسة عن دعم «الهندوس الأميركيين» لإدارة ترامب الجديدة.
قد يبدو من الوهلة الأولى أنّ التيارين مختلفان تماماً، إذ إن «ماغا» حركة قومية أميركية محافظة تدعو إلى استعادة «العظمة الأميركية» عبر سياسات انعزالية، بينما تمثل «الهندوتفا» حركة قومية هندوسية تدعو إلى استعادة «العظمة الهندوسية» داخل الهند.
لكن رغم هذه الفروقات الظاهرة، يتقاطع الطرفان في نقاط عدة:
أولاً، رفض الثقافات الغريبة: يهاجم التيّاران ما يعتبرانه تهديداً لهويتهما الثقافية من قبل التيارات التقدمية.
ثانياً، النزعة المحافظة: يشتركان في رغبة بتعزيز القيم التقليدية، سواء كانت دينية أو ثقافية.
ثالثاً، التضليل عبر «التعددية»: يستخدم كلا الطرفين مفهوم «التعددية» لتبرير مواقفهم الرجعية. مثلاً، يُروَّج لفكرة أن الهند بلد متعدد الديانات والثقافات، لكن في الوقت نفسه تستخدم «الهندوتفا» سياسات تمييزية ضد المسلمين والمسيحيين بحجة الحفاظ على الهوية الهندوسية الأصيلة.
في الولايات المتحدة، كان ترامب يقول إنه «يريد الحفاظ على التنوع الأميركي»، وإنه «يحب كل الأميركيين بغض النظر عن أصولهم». لكنه في الواقع، استخدم هذه اللغة لتغليف سياسات تهدف إلى تقليص الهجرة وتعزيز ما سمّاه «الهوية الأصلية» لأميركا.
ظهر التحالف بين حركة «الهندوتفا» في الولايات المتحدة وحركة «ماغا» بشكل واضح على السوشال ميديا بعدما بدأت مجموعات «الهندوتفا» بتبنّي خطاب مناهضة اليسار التقدمي، واحتفلت بفوز ترامب معتبرةً إياه انتصاراً للقيم المحافظة، ورأت في هذا التحالف فرصة لتعزيز مكانة الجالية الهندوسية في أميركا.
لكن هذا التقارب لم يخلُ من التحديات. مع تولي إدارة ترامب السلطة، بدأت سياسات الهجرة المتشددة تؤثر بشكل مباشر في الجالية الهندية، خصوصاً في ما يتعلق بتأشيرات العمل (H-1B).
وأدى ذلك إلى تصاعد الانتقادات داخل حركة «ماغا» نفسها ضد المهاجرين الهنود، ما خلق توتراً داخل تيار «الهندوتفا». ورغم محاولات التيار الحفاظ على صورته كحليف لترامب، إلا أنّ الواقع الجديد أضعف موقفه، وأصبح من الصعب تجاهل الأضرار التي لحقت بالجالية الهندية جراء السياسات الجديدة.
أحلام الاقتصاد والتجارة
في 9 أيلول (سبتمبر) 2023، أُعلن عن إطلاق «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» IMEC، في قمة قادة مجموعة العشرين G20 التي عُقدت في نيودلهي. عالم جديد من الروابط التجارية بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، عبر ممر نقل متعدد الوسائط يضم شبكات السكك الحديد والطرق البرية والبحرية، إضافة إلى بنية تحتية متطورة للكهرباء والهيدروجين والاتصال الرقمي.
ظهرت حينها العبارة الدعائية «الهند هي الصين الجديدة»، في إشارة إلى نقل العالم عملية التصنيع إلى الهند بدلاً من الصين. اللافت أن «الهندوتفا» تشكل جزءاً من هذا المشروع، ويُنظر إليها هنا على أنها داعم معنوي لمكانة الهند الجديدة في الاقتصاد العالمي.
بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وحالة عدم الاستقرار التي أصبحت لازمة لكيان الاحتلال، وُضع مشروع الكوريدور الهندي على الرف في انتظار تحوّل ما في الإقليم. والجدير بالذكر أنه في تلك المدة، كان مستغرباً بالنسبة إلى كثيرين كيفية تعامل نسبة كبيرة من المستخدمين الهنود على منصات التواصل الاجتماعي مع المستخدمين العرب. منشورات لا تنتهي من الشتم والسخرية من الرموز الإسلامية أو من حركات التحرر الفلسطينية، مقابل دفاع مستميت عن ذلك الكيان، وكأن على الشعب الفلسطيني اختيار توقيت تحرير بلده بشكل يناسب أتباع الهندوتفا أيضاً!
المهم، في 13 شباط (فبراير) من العام الحالي، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن إعادة إحياء مشروع IMEC، الذي سيربط الهند وإسرائيل وإيطاليا والولايات المتحدة. جاء هذا الإعلان في اجتماع مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في البيت الأبيض.
وصف ترامب المشروع بأنه «تطور كبير» يتطلب استثمارات ضخمة، مؤكداً أن بعض هذه الاستثمارات بدأت بالفعل، وأن المزيد من التمويل سيُخصص في المدة المقبلة.
وأشار ترامب إلى أن الممر سيصبح واحداً من أعظم طرق التجارة في التاريخ، إذ سيمتد من الهند إلى «إسرائيل» وإيطاليا وصولاً إلى الولايات المتحدة، معتمداً على ربط الشركاء عبر الموانئ والسكك الحديد وشبكات الكابلات البحرية.
هو الوهم نفسه متكرراً في تاريخ الحركات اليمينية بين الشعوب الملونة، عندما يتصور بعضهم أنهم قد يحظون بقبول حقيقي من قبل حركات البيض المحافظة، اعتقاداً بأنهم مميزون عن غيرهم من الملونين. لكن سرعان ما تنكسر هذه الصورة عند أول احتكاك بالواقع، عندما تكشف السياسات العنصرية عن نفسها وتُعيد التذكير بالحدود غير المرئية لهذا «القبول».
من رفح إلى كشمير، ومن واشنطن إلى نيودلهي، يبدو أنّ هناك خيطاً مشتركاً يجمع بين التيارات المتطرفة حول العالم. إنها ليست مجرد مصادفة أن نجد مجموعات متطرفة في الهند تدعم الكيان الصهيوني، وأن ترى في ترامب زعيماً أيديولوجياً لها، وأن تستخدم خطاباً يشبه خطاب اليمين الأوروبي والأميركي. لم تعد المعركة فقط على الأرض، هي في العقول والأيديولوجيات، ونجاح مقاومتها يكمن في تبني خطاب جديد. فالمعرفة موجودة على الإنترنت، وعند الشعوب، أو المستخدمين بما أنّ الجميع صار متصلاً بالإنترنت، يملكون القدرة على تبادل الأفكار وبناء وعي مشترك.
إن مواجهة هذا المدّ الأيديولوجي تتطلب وعياً جماعياً ينبذ التطرف والعنصرية، ويرتكز على فهم أعمق للروابط التي تجمع هذه التيارات رغم اختلاف مشاربها.
إن كان التطرف يتغذى على الانعزال والخوف، فإن المقاومة تبدأ من خطاب إنساني جامع يكرّس قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، وتقديم سرديات جديدة قادرة على تفكيك أساطير التفوق العرقي والديني التي تشكل جوهر هذه التحالفات المتطرفة.
