سوريا بين تمّوزين... كأنّ البلاد تدور في مدارها الأول
فلسطين تنتفض. سوريا تعيد رسم ملامح نظامها. وفود من شخصيات يهودية من أصل سوري تزور دمشق، ومبعوث غربي جديد يحدّد ملامح بلاد الشام كما يراها هو، لا كما يريدها أهلها.


فلسطين تنتفض. سوريا تعيد رسم ملامح نظامها. وفود من شخصيات يهودية من أصل سوري تزور دمشق، ومبعوث غربي جديد يحدّد ملامح بلاد الشام كما يراها هو، لا كما يريدها أهلها.
بعد قرن كامل، يبدو وكأن البلاد تدور في مدارها الأول، كأنّها عادت إلى نقطة الانطلاق. من العلم الأخضر، إلى العلم الأخضر. من الثورة، إلى اللايقين.
الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية... ملفّات منسية
في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، جرت اتصالات علنية وسرّية بين قادة الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية بحسب الوثائق التي عرضها الباحث والمؤرخ الفلسطيني محمود محارب «من المفاوضات على الاختراق».
كان الهدف جمع معلومات عن طرق تهريب السلاح من سوريا إلى فلسطين، وعن مصادر هذا السلاح وكمياته، وعن الثوار الفلسطينيين وأنصارهم من السوريين.
واليوم، نعود إلى مشهد مشابه: مفاوضات سورية إسرائيلية خلف الأبواب المغلقة، في لحظة هشاشة سياسية واقتصادية واجتماعية. يُطرح من جديد مطلب طرد الفصائل الفلسطينية من سوريا وقطع خطوط الإمداد إلى المقاومة.
في هذه اللحظة نفسها، تمرّ الذكرى المئوية لانطلاق الثورة السورية الكبرى (1925 ــ 2025)، لا بوصفها «مجداً وطنياً منتهي الصلاحية»، بل بوصفها سؤالاً متجدداً: من نحن؟ ما سياستنا؟ ما دورنا؟ ماذا فعلنا؟ وماذا سنفعل؟
سايكس ــ بيكو التي اقتطعت من سوريا الساحل الفلسطيني، ثم اللبناني، ثم لواء إسكندرون، لا تزال تفعل فعلها.
لم تفكك الأرض فقط، بل زرعت في قلب الدولة ضعفاً وجودياً لم يُعالج حتى الآن. دمشق التي تمزّقت جغرافياً، تمزّق معها من يحاول توحيدها.
واليوم، نعود إلى المشهد ذاته: صراعات أهلية، تجاذبات خارجية، وخرائط يعاد رسمها خارج حدود السيادة.
لحظة مفصلية
الثورة السورية الكبرى لم تكن حدثاً مضى، بل مرآة مفتوحة على حاضر هشّ. كانت لحظة مفصلية التقت فيها الإرادة الشعبية مع الرؤية الوطنية، واختزنت في مجرياتها صراعات داخلية، وتغيّراً في التحالفات والمصالح. الخطر اليوم لا يكمن في نسيان الثورة، بل في تذكّرها بشكل زائف. لقد جرى تحويلها إلى مشاهد درامية، وصور مؤطرة، وشعارات تُستعاد كلما دعت الحاجة.
الشرارة بدأت من الأرياف
يغفل كثير من المراجعين أنّ شرارة الثورة لم تنطلق من العاصمة، بل من الأطراف. فقد أعلن سلطان باشا الأطرش (1891 ـــ 1982) وعدد من الوطنيين بدء المواجهة الشاملة ضد الانتداب الفرنسي في تموز (يوليو) 1925.
يوسف العظمة وقف
على أبواب دمشق بسيفه
كي لا يُقال إنّ الفرنسي دخل الشام من دون قتال
لكنّ سردية الدولة أعادت تشكيل الثورة من منظور مركزي سلطوي، صيغت ملامحه في المكاتب لا في ساحات المعركة. وقد أنتجت النخب التي ورثت الدولة في زمن الانتداب سلطة مدينية طبقية همّشت دور الأرياف، رغم أنّ تلك الأرياف كانت هي التي دفعت الثمن الأكبر في معركة الاستقلال.
من دماء الأطراف... بدأ التحرّر، لكن من صالونات المدن صيغت الرواية وتقاسمت الغنائم.
شحن طائفي وتشويه تاريخي
في السرديات الرسمية، لا نكاد نقرأ عن الخلافات التي مزّقت صفوف الثوار، أو الأخطاء التي أضعفت حركتهم. لا نُسائل الاتفاق الذي مهّد لانفصال لواء إسكندرون، ولا نوثّق ثورة الساحل بقيادة الشيخ صالح العلي، التي دعمت ثورة الشيخ عز الدين القسام في فلسطين.
ولا يُشار إلى الخلاف بين زعيم الكتلة الوطنية إبراهيم هنانو وبقية أعضاء الكتلة حول جدوى العمل المسلّح مقابل التفاوض مع الفرنسيين. هنانو كان ميّالاً إلى المقاومة الشعبية، لكنّ ذلك جرى تهميشه في سردية نخب المدينة.
اليوم، تُعيد سوريا إنتاج استبعاد الأطراف والمناطق التي تقدم خطاباً متمايزاً عن السلطة المركزية، بأساليب مشبعة بالشحن الطائفي والتشويه التاريخي. وهنا تتكرّر الأزمة التاريخية في العلاقة بين المركز والهامش، بين سلطة دمشق وباقي الجغرافيا السورية.
هل قلت «حكم الأقليات»؟
ليست مسألة «حكم الأقليات» في سوريا مسألة طائفية بالضرورة، بل مسألة بنية سياسية واقتصادية مغلقة.
منذ نهاية الحكم العثماني وحتى اليوم، ظلت مفاصل الدولة في يد فئة أوليغارشية تتقاسم السلطة والغنائم. وحتى حين جاء حزب «البعث»، لم يكسر هذه البنية، بل ورثها بعائلات جديدة. ويبدو أنّ مسلسل الوراثة هذا ما يزال مستمراً حتى الآن.
في هذا العدد، لا نستعيد ذكرى الثورة السورية الكبرى لتمجيدها، ولا لتأبينها، بل لفهم التناقضات التي حكمتها. وزير الدفاع السوري يوسف العظمة وقف على أبواب دمشق بسيفه كي لا يُقال إنّ الفرنسي دخل الشام من دون قتال.
وبعد ساعات فقط من استشهاده، حُمِلت عربة الاحتلال على أكتاف بعض أبناء المدينة. كلا المشهدين حقيقي، وكلاهما من صُلب الثورة.
ربما يكون الاعتراف بتناقض الثورة السورية الكبرى – لا تمجيدها ولا نفيها – هو الخطوة الأولى لفهم أنفسنا من جديد. ونفهم التناقض الذي نعيشه يومياً، ففي زمن تبدو فيه مفردة «ثورة» مثقلة بالريبة والانقسام، تصبح العودة إلى تموز 1925 ضرورة، لا تذكّراً شكلياً، بل مراجعة ملحّة.
