(تاريخ) العلم السوري من الثورة إلى... الرايات المتنازعة
منذ أن رفع المجاهد أحمد مريود علم الثورة العربية على بلدية دمشق عام 1918، لم يكن للعلم السوري معنى شكلي فقط، بل ظلّ شاهداً على تحولات السلطة والهوية الوطنية.


منذ أن رفع المجاهد أحمد مريود علم الثورة العربية على بلدية دمشق عام 1918، لم يكن للعلم السوري معنى شكلي فقط، بل ظلّ شاهداً على تحولات السلطة والهوية الوطنية.
وفي كل مرحلة سياسية، من الاحتلال إلى الاستقلال، ومن الوحدة والانقلاب إلى الثورة، تَبدَّلت الراية وتبدّلت معها الروايات حول «من هم السوريون» وما الذي يوحّدهم.
من الثورة إلى الاحتلال
مع بداية القرن العشرين، تأثّر العرب والسوريون تحديداً، كما شعوب المشرق عموماً، بالمد القومي، وشاركوا في دعم الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية. ووسط تدهور الأوضاع الاقتصادية والتموضع ضد التتريك، ولدت الحركات القومية المطالبة باستقلال العرب.
في عام 1918، رفع المجاهد أحمد مريود العلم العربي الأول على بلدية دمشق، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، في مشهد صار ولادة رمزيةً للهوية العربية. كان العلم مكوَّناً من ثلاثة أشرطة أفقية (أسود، أخضر، أبيض)، وعلى يساره مثلث أحمر قاعدته إلى اليسار ورأسه متجه نحو اليمين.
-
سوريون من مرتفعات الجولان يلوحون بالعلم السوري وصورة للرئيس الأسبق حافظ الأسد عام 1999
وفي الثامن من آذار (مارس) 1920، أُعلن استقلال سوريا عن طريق المؤتمر الوطني السوري، ونُصّب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها، فأُضيفت نجمة ثمانية بيضاء في قلب المثلث الأحمر. لكن هذا العلم لم يصمد طويلاً. رفض مجلس الحلفاء الاعتراف باستقلال سوريا، ففُرض الانتداب الفرنسي رسمياً على سوريا ولبنان، وراحت سلطات الاحتلال تفرض رايات مختلفة لم تترسّخ شعبياً.
ثلاث نجوم... ودستور
مع طرح أول مسوّدة لدستور سوري عام 1928، ظهر إلى العلن علم جديد مؤلف من ثلاثة أشرطة أفقية: أخضر، فأبيض، ثم أسود، تتوسط الشريط الأبيض ثلاث نجمات حمراء خماسية.
رُفع العلم رسمياً للمرة الأولى مرة في حلب، ثم في دمشق مع تنصيب محمد علي العابد كأول رئيس للجمهورية السورية. اختلفت الروايات حول معنى هذا العلم: هناك من رأى فيه رمزاً لفترة الانتداب الفرنسي، بينما اعتبره آخرون علم الاستقلال الفعلي.
نصّت المادة الرابعة من دستور 1928 على أنّ النجوم الثلاث الحمراء ترمز إلى ثلاث ثورات ضد الانتداب الفرنسي: ثورة الشمال بقيادة إبراهيم هنانو، الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وثورة الساحل بقيادة الشيخ صالح العلي. أما الألوان، فحمَلت بدورها دلالات تاريخية: الأخضر للخلافة الراشدة، الأبيض للدولة الأموية، والأسود للعباسية.
الوحدة و«البعث» وتحوّلات الراية
في عام 1958، ومع إعلان الوحدة بين سوريا ومصر، تم تبني علم جديد بثلاثة أشرطة أفقية: أحمر، فأبيض تتوسطه نجمتان خضراوان (تمثلان سوريا ومصر)، فأسود. حمل هذا العلم رمزيةً قومية جديدة تحت راية «الجمهورية العربية المتحدة» في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
تَبدَّلت الراية وتبدّلت معها الروايات حول «من هم السوريون» وما الذي يوحّدهم
لكن بعد انهيار الوحدة عام 1961، عادت سوريا لتتبنّى علم الاستقلال الأخضر مع النجوم الحمر الثلاث. بقي هذا العلم معتمداً حتى انقلاب حزب «البعث» في 8 آذار (مارس) 1963. وبعد ذلك، أُضيفت نجمة خضراء ثالثة عقب تفاهم اتحاد بين سوريا والعراق ومصر.
سرعان ما انتهى. لاحقاً، وضمن إطار «اتحاد الجمهوريات العربية» الذي جمع مصر وليبيا وسوريا، استُبدلت النجوم الثلاث بنسر كُتب تحته «اتحاد الجمهوريات العربية».
خاضت سوريا ومصر حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 تحت هذا العلم، وهو الذي رفعه الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد في القنيطرة عام 1974، لكنه ألغي لاحقاً في عام 1980، عندما قرّر الأسد العودة إلى علم الوحدة مع مصر، وهو ما استمر حتى نهاية عام 2024.
الثورة والرايات المتنازعة
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، تبنّت المعارضة السورية علم الاستقلال (الذي ظهر عام 1928) كرمز لهوية جديدة مضادة لنظام الأسد.
تَرافق هذا مع صعود فصائل ذات مرجعيات دينية مختلفة، فبرزت رايات أخرى كـ «راية التوحيد» البيضاء (التي تبنّتها جبهة «النصرة»)، والسوداء (التي حملها تنظيم «داعش»)، ما عكس الانقسام الرمزي والسياسي بين مكوّنات المعارضة المسلحة.
-
علم الثورة العربية
ورغم كل محاولات التوحيد، ظلت رمزية العلم موضع خلاف، إلى أن اعتمدت الحكومة السورية المؤقتة في آذار (مارس) 2025 علم النجوم الثلاث الحمر راية رسمية للبلاد، ضمن الإعلان الدستوري المصادق عليه من قبل رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع.
نصّت المادة السادسة من هذا الإعلان على أنّ العلم السوري يمتد بشكل مستطيل طوله يساوي ثلثي عرضه، يتألف من ثلاث مستطيلات متساوية الأبعاد: أخضر في الأعلى، فأبيض، فأسود في الأسفل، وتتوسط المساحة البيضاء ثلاث نجمات حمراء. ولم يُذكر في النص معنى الألوان أو النجوم، ما أعاد النقاش حول الرمزية ومعانيها.
بين الراية والهوية
رغم اعتماد العلم رسمياً، لم يمنع ذلك من ظهور رايات فرعية، تعكس شعور بعض الفئات بالتهميش أو غياب التمثيل. برزت مطالبات بالإدارة الذاتية أو الاعتراف برموز أخرى، ما يكشف أنّ الخلاف لم يكن يوماً على لون أو عدد نجوم، بل على من يملك الحق في تمثيل البلاد وسرد حكايتها.
من علم الثورة العربية إلى رايات الجماعات، ومن وحدة عبد الناصر إلى بعث الأسد، ظل العلم السوري مرآة لصراعات السلطة، ورمزاً لحلم يتكرر: أن يجتمع السوريون يوماً تحت راية لا تقصي أحداً.
