
تواصل السلطات السورية الانتقالية صمتها حيال العدوان الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من ردّ إيراني، شكّلت فيه سماء سوريا أحد ميادين المعركة، التي وصلت نيرانها إلى الأراضي السورية، وذهب ضحيّتها عدد من المدنيين. على أن هذا التجاهل جاء من قبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بعد أسابيع من محاولة توسيع قنوات التواصل مع تل أبيب، في إطار دفع أميركي لتطبيع العلاقات عن طريق سلسلة من الخطوات، تبدأ بتوقيع اتفاقية أمنية تسعى إسرائيل من خلالها لتثبيت سلطة الأمر الواقع على الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، بما فيها قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، في وقت يتحدّث فيه الشرع عن العودة إلى اتفاقية عام 1974، والتي تتضمن منطقة منزوعة السلاح عند الشريط الفاصل مع الأراضي المحتلة، وفق خريطة تلك الاتفاقية.
وفي لقاءات وتصريحات عديدة، ألمح الشرع إلى الدور الذي لعبه في إخراج إيران من سوريا، باعتبارها «عدواً مشتركاً» مع إسرائيل، في وقت تمّ فيه تسريب لقاءات عديدة أجراها مسؤولون سوريون مع مسؤولين من إسرائيل، بشكل مباشر في آذربيجان وتل أبيب، وغير مباشر بوساطة إماراتية في أبو ظبي. وحتى الآن، لم تفضِ تلك اللقاءات إلى نتائج ملموسة، في ظل استمرار النهج الإسرائيلي الاستيطاني في الجنوب السوري، حيث تقوم تل أبيب بإنشاء عدد من القواعد العسكرية، في القنيطرة وريف درعا على تخوم دمشق.
وفي وقت تلعب فيه القواعد العسكرية التابعة لـ«التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة دوراً بارزاً في محاولة التصدي للصواريخ والمُسيّرات الإيرانية، سواء من القواعد الموجودة قرب الحدود العراقية، شمال شرقي سوريا، أو في «قاعدة التنف»، في أقصى الجنوب السوري، تكثّف الطائرات الإسرائيلية تحليقها في الأجواء السورية، كما تقوم إسرائيل بإطلاق مضادات أرضية نحو أهداف في سماء سوريا.
وفيما تسبّبت المضادات الإسرائيلية في مقتل امرأة في ريف طرطوس، وإصابة عدد من المدنيين، ذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذي ينشط من لندن، أنه أحصى منذ الجمعة وحتى الأحد، إسقاط 28 مُسيّرة، في مناطق مختلفة شرقي البلاد وغربيها وجنوبيها، الأمر الذي يكشف عن حجم النفوذ الإسرائيلي غير المسبوق، الذي يشمل خريطة سوريا كاملة، بعد أن قامت تل أبيب بتدمير قدرات الجيش السوري الذي انحلّ إثر سقوط نظام بشار الأسد.
ذكر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني أن إردوغان نصح الشرع بـ«عدم الانخراط في التصعيد»
وأمس، ذكر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، في تقرير، أن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، نصح الشرع، خلال اتصال هاتفي، بعيد بدء العدوان الإسرائيلي على إيران، بـ«عدم الانخراط في التصعيد». وتابع الموقع أن الرئيس التركي، الذي تمّ إبلاغه بتفاصيل الهجوم الإسرائيلي قبل ساعات من بدئه، نصح الشرع أيضاً بـ«البقاء في حالة تأهب لمواجهة المزيد من المخاطر والهجمات من قبل الجماعات الإرهابية».
ويفتح تقرير الموقع البريطاني الباب أمام جملة من الأسئلة، أبرزها «ماهية انخراط الشرع المحتمل في هذا التصعيد»، في ظل عدم امتلاك جيشه الناشئ أي قدرات عسكرية حقيقية، الأمر الذي يوفّر لإسرائيل مساحة تحرك آمن في سوريا، إضافة إلى مساعي الرجل بالأساس للانفتاح على إسرائيل. وفي السياق ذاته، صدر عن السلطات الانتقالية في سوريا تصريح غريب، نشرته صحيفة «الوطن» السورية، نفى خلاله مصدر مسؤول في وزارة الإعلام «فتح الأجواء السورية لاعتراض الطائرات المُسيّرة والصواريخ الإيرانية»، معتبراً أن «هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة»، الأمر الذي يكرّس حالة استباحة السيادة السورية من قبل إسرائيل.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى التفسير الوحيد لنصيحة إردوغان، المتحكّم الأبرز بالملف السوري، مرتبطاً بالتصريحات السياسية أو الإعلامية، الأمر الذي من الممكن أن يوضح سبب تجاهل السلطات السورية الانتقالية هذه الحرب من الأساس، إضافة إلى الطريقة التي يتعاطى بها الإعلام السوري الرسمي معها؛ إذ ينقل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، ويسلّط الضوء على بعض التطورات، وكأن ما يجري يقع في قارة بعيدة.
وإلى جانب ذلك، تجاهل هذا الإعلام آثار التغوّل الإسرائيلي في سوريا، وعمليات التصدي للصواريخ والمُسيّرات الإيرانية في الأجواء السورية وما ينجم عنها من خسائر بشرية وحرائق ودمار، في انتهاك غير مسبوق للسيادة السورية، وهو ما أوصل وزارة الداخلية إلى اعتبار مقتل امرأة في ريف طرطوس بعد إسقاط إسرائيل مُسيّرة فوق منزلها ناجماً عن سقوط «طائرة مُسيّرة مجهولة».

