
في هجوم يُعتبر الأول من نوعه من حيث الحجم، بعد سقوط نظام بشار الأسد، استشهد وجُرح عشرات المسيحيين جراء تفجير انتحاري استهدف كنيسة في العاصمة السورية دمشق. وتسبّب الهجوم الذي تزامن مع إقامة الصلاة في كنيسة مار الياس، بدمار كبير وسقوط عشرات الشهداء والجرحى، وفقاً لمصادر طبية تحدّثت إلى «الأخبار». وأشارت المصادر إلى أن بعض الإصابات حرجة، وهو ما استدعى إطلاق نداءات للتبرّع بالدم، في حين ذكر شهود عيان أن إطلاق نار كثيف سبق التفجير الذي ضرب الكنيسة، التي كان يصلي فيها نحو 400 شخص، الأمر الذي أكّده الأب ملاطيوس شطاحي، في تصريحات صحافية.
وخلال حديثه، أشار الأب شطاحي إلى أن مسلّحَين دخلا الكنيسة وقاما بفتح النار من سلاحيْن رشاشيْن، قبل أن يقع التفجير، معتبراً أن ما جرى «نتيجة للسكوت على ما كان يُسمى أخطاء فردية»، في إشارة إلى الاعتداءات التي تعرّضت لها الأقليات في سوريا على يد مسلحين متشدّدين، سواء عمليات الخطف أو القتل أو محاولات التهجير، أو الاعتداءات على الكنائس والمقابر والأديرة المسيحية.
وفي وقت لم تتبنّ فيه بعد أي جهة هذا التفجير، اتهمت وزارة الداخلية السورية، في بيان مقتضب استبق التحقيقات، تنظيم «داعش» بالوقوف وراءه. وقالت إن «انتحارياً يتبع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) دخل إلى كنيسة القديس مار الياس في حي الدويلعة بالعاصمة دمشق، حيث أطلق النار، ثم فجّر نفسه بواسطة سترة ناسفة»، في حين لم تشر أبداً إلى المسلح الثاني الذي كان معه في الهجوم، وفجّر نفسه أيضاً، وفقاً لمصادر «الأخبار».
ينذر الهجوم بأيام صعبة قد تعيشها سوريا في الفترة المقبلة، ما لم يتم وضع حد لهذا التصعيد
ويأتي هذا الهجوم، الذي يُعتبر الأكبر على دار عبادة بعد سقوط نظام بشار الأسد، بالتزامن مع استمرار حالة «الهشاشة الأمنية» التي تعيشها البلاد، الأمر الذي استثمره تنظيم «داعش» بشكل كبير عبر توجيهه دعوات إلى المسلحين للانضمام إلى صفوفه. كما يأتي ذلك في وقت تستمر فيه عمليات القتل والتصفية على خلفية طائفية من قبل مسلحين وفصائل متشدّدة، تتبع أو ترتبط بالسلطات الجديدة، التي قامت، بعد موافقة الولايات المتحدة، بضم نحو 3500 مقاتل متشدّد غير سوري إلى الجيش الناشئ، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في سوريا.
وفي محاولة لتلافي ردود الفعل العنيفة على هذا الهجوم، الذي يكشف عن خلل أمني سمح لمسلّحين بتنفيذ إطلاق النار خلال وقت الصلاة، أصدرت السلطات الانتقالية مجموعة من البيانات والتصريحات على لسان عدد من المسؤولين، ومن بينهم محافظ دمشق، محمد ماهر مروان، الذي تقدّم في بيان نشره عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتعازي لذوي الضحايا وأسرهم، داعياً المواطنين إلى التعاون مع الجهات المعنية وتقديم أي معلومات تساهم في كشف الحقائق.
وتابع أن «هذه الأفعال لن تثني إرادة الدولة والمجتمع في مسيرة البناء والاستقرار»، مطمئناً إلى أن «الأجهزة الأمنية المختصة تقوم بمتابعة الحادثة وكشف ملابساتها وملاحقة الفاعلين لينالوا جزاءهم العادل». وأضاف: «ستتابع المحافظة الأمر بكل حزم وبالتعاون مع الأجهزة المعنية لإحقاق الحق وإنزال أقصى العقوبات بحق كل من شارك أو دبّر أو خطّط لهذا العمل الإجرامي».
كذلك، دان وزير الإعلام، حمزة مصطفى، الهجوم، وتقدّم بـ«أحر التعازي لذوي الضحايا». وقال إن «هذا العمل الجبان يتعارض مع قيم المواطنة التي تجمع السوريين»، داعياً إلى ضرورة التمسك بـ«الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وتعزيز روابط التآخي بين جميع مكوّنات المجتمع»، وفق تعبيره.
وإلى جانب ما تسبّب به هذا الهجوم الإرهبي الكبير من شهداء وجرحى، قدّرتها وزارة الصحة، وفقاً لأرقام غير نهائية، بـ20 شهيداً و52 جريحاً، فهو يفتح الباب على مصراعَيه أمام احتمالات تكثيف استهداف دور العبادة، في سياق حملة التصعيد المستمرة ضد الأقليات، بما فيها المسيحيون والعلويون والدروز والإسماعليون والمرشديون، وغيرهم. وينذر ذلك بأيام صعبة قد تعيشها سوريا في الفترة المقبلة، ما لم يتم وضع حد لهذا التصعيد، وتشديد القبضة الأمنية ضد المتشدّدين، بمن فيهم تنظيم «داعش».

