
دقّ التفجيرُ الذي طاول كنيسة مار إلياس في حي دويلعة في دمشق، ناقوس الخطر حول إمكانية تصعيد الهجمات الإرهابية، سواء من تنظيم «داعش» الذي وجّهت إليه السلطات السورية الاتهام بالوقوف وراء التفجير، أو الفصائل الأجنبية التي ترفض سياسات الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، وتريد الحفاظ على التوجّه الجهادي في البلاد.
ومنذ وقوع التفجير، بدأ التحالف بقيادة الولايات المتحدة عمليات لتمشيط البادية السورية، في محاولة لمنع «داعش» من استعادة نشاطه. وجاء ذلك بعد ورود معلومات استخباراتية عن أنّ التنظيم قام بتهريب عدد كبير من عناصره إلى داخل المدن، في الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام بشار الأسد.
وكانت تحدّثت الحكومة الجديدة ومعها «قسد» عن وجود هكذا تحرّكات بالفعل، وهو ما جاء مثلاً على لسان القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، الذي أكّد وجود معلومات عن أنّ «داعش» تغلغل في عدد من المدن، ومن بينها دمشق، للتخطيط للقيام بأعمال إرهابية. كما نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين في الإدارة الجديدة قولهم إنهم حصلوا على معلومات تؤكّد وجود نوايا لدى التنظيم للسيطرة على عدد من الأحياء في المدن الرئيسة، ابتداءً من حمص.
ويكشف كل ما سبق أنّ التنظيم يكاد يكون الرابح الأول من سقوط نظام الأسد؛ إذ استغلّ إخلاء جنود الجيش المنحلّ مواقعهم وثكناتهم العسكرية في مناطق جغرافية واسعة، بدءاً من البوكمال وصولاً إلى محطات t1 وt2 وt3 وt4 وأطراف مدينة تدمر وأطراف ريفَي دمشق الشمالي والجنوبي، والكثير منها لم يصلها أي من الفصائل التي شاركت في معركة إسقاط النظام.
وأوصل هذا الفراغ الكبير إلى تصاعد عمليات التنظيم في سوريا، وتبنّيه عدّة هجمات عسكرية، من بينها تفجير مركز لـ«الأمن العام» في مدينة الميادين في ريف دير الزور الشرقي، وصولاً إلى اتّهامه بالوقوف خلف تفجير دويلعة، ما جعل من القيام بعملية واسعة ضده حاجة ملحة، رغم عدم امتلاك دمشق القدرات العسكرية الكافية لذلك.
ويردّ مراقبون عدم جاهزية قوات دمشق لمثل هذه العملية، إلى سببين رئيسين: الأول عدم اكتمال إعادة هيكلة الجيش، ودمج الفصائل في صفوفه، والثاني وجود تيار خاص من المقاتلين الأجانب يرفض حتى الآن التعاون مع واشنطن، ويعتبر ذلك خروجاً عن الجهاد. ورغم ما تقدّم، يبدو أنّ الولايات المتحدة تضغط على الإدارة الجديدة للقيام بعمليات ضد «داعش» في البادية، وعدم الاكتفاء بحملات محدودة كما جرى في حلب منذ شهرين، وفي أحياء وبلدات في ريف دمشق قبل عدّة أيام. وفي هذا الإطار، جدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دعوته الإدارة السورية إلى المساعدة في «منع ظهور داعش، وتولّي مسؤولية مراكز احتجاز عناصره في شمال شرق سوريا»، في إشارة إلى المراكز التي تديرها «قسد».
ولعلّ واشنطن استغلت «قسد» للبعث برسائل ضغط على دمشق في هذا الإطار، عبر الطلب من الأكراد تجهيز قوات لتمشيط كامل البادية، بما فيها المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. وكشفت عن ذلك، تصريحات القيادي في «قسد»، والناطق باسم «لواء الشمال الديموقراطي»، محمود حبيب، الذي قال إنّ «قسد تستعدّ لحملة عسكرية لإحباط محاولات داعش الانقضاض على المدن السورية بالتعاون مع التحالف الدولي».
ومع التساؤلات عن الدور الحكومي في العملية، في ظل الأنباء عن تشارك بين «قسد» و«جيش سوريا الحرة» كحليفَين موثوقَين لـ«التحالف الدولي» منذ عدّة سنوات، تلقّت واشنطن إشارات من دمشق عن إمكانية مشاركتها في الحملة، وهو ما أدّى إلى تأجيل هذه الأخيرة إلى عدّة أيام.
ودفع هذا التأجيل بـ«قسد» إلى نفي أي استعدادات أو تجهيزات لإطلاق حملة أمنيّة ضد «داعش» في البادية، وإن أكّدت في الوقت نفسه استعدادها للمشاركة في أي «جهد وطني سوري ودولي لمحاربة داعش. وفي حال وجود أي حملة أو عملية سنعلن عنها بشكل رسمي عبر المواقع والمنصات الرسمية».
وتقدّر مصادر ميدانية، بدورها، لـ«الأخبار»، أنّ «الإعلان عن الحملة وكشف تحرّكات الاستعداد لها، يشيران إلى استمرار اعتماد الأميركيين على «قسد»، رغم تحسّن العلاقة مع دمشق»، معتبرة أنّ «نفي «قسد» للحملة، يأتي في إطار محاولة الحفاظ على سرّيتها». وتنفي المصادر «وجود أي إمكانية لقيام «قسد» بعمليات ضمن مناطق سيطرة الحكومة»، مؤكّدة أنه «لا نشاط حتى الآن للتحالف إلا في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة «قسد» والتنف».
وتشير إلى أنّ «فكرة قيام عملية مشتركة ضد تنظيم داعش بين «قسد» والحكومة و»جيش سوريا الحرة» طرحت في الأيام الأولى للسقوط»، عادّة «تأكيد «قسد» استعدادها للمشاركة في أي جهد وطني ضد داعش، إشارة واضحة إلى الموافقة على القيام بهذه العملية بالشراكة مع الحكومة أو أي أطراف سورية أخرى».

