إسرائيل في أفريقيا: الحرب مع إيران... هنا أيضاً
تسعى إسرائيل لتعويض هزيمتها أمام إيران بتوسيع نفوذها في أفريقيا، عبر تحالفات وظيفية ودعاية دينية تخدم مشروعها في ركاب الهيمنة الغربية.


أسقطت الحرب الإسرائيلية - الإيرانية ما دأبت إسرائيل على ادّعائه طوال عقود أنها «دولة مسالمة» «لا تبادر إلى العدوان»، فيما أظهر عجزها عن حسْم أهداف حربها، رغم الإسناد الأميركي الكامل، واضطرارها لوقف إطلاق النار بعد 12 يوماً فقط، حجمها الحقيقي ككيان وظيفي، وكذلك دورها المزعوم في الدفاع عن «الحضارة الغربية»، ممّا يلحقها بداهةً بسياسات النهب الغربية القائمة في القارة الأفريقية. وتكشف قراءة التحرّكات الإسرائيلية الأخيرة في أفريقيا، بعد نهاية الحرب مع إيران، عن محاولةٍ لتعويض الخسارة التي لحقت بنفوذ تل أبيب القائم وذلك المحتمل في القارة.
فخّ التهدئة مع جنوب أفريقيا: محاولات العودة
تسلّط السردية الإسرائيلية (كما جاء في «مركز السياسات اليهودية» - 1 تموز) الضوء على أهمية انتهاز فرصة ما بعد الحرب مع إيران، للتقارب مع بريتوريا، والترويج للأسس المشتركة بين الجانبين (الديموقراطية الليبرالية). ووفق هذه السردية، تمثّل علاقات جنوب أفريقيا وإيران عقبة أمام أيّ جهد إسرائيلي مضاد، بالنظر إلى عمقها، ومنها تأمين عملاق الاتصالات الجنوب أفريقي «MTN»، في عام 2004، رخصة للعمل في إيران على حساب منافستها «تُركسيل» (Turkcell) التركية، وما تلى ذلك من اصطفاف بريتوريا إلى جانب طهران، في قضية «الوكالة الدولية للطاقة النووية».
وتعوّل إسرائيل على ما تعتبره تيّاراً شعبيّاً جنوب أفريقيّاً أكثر ابتعاداً عن سياسات «حزب المؤتمر الوطني» التقليدية، منطلقةً في رهانها هذا من أنّ 80% من سكان البلاد مسيحيون ومحافظون ويسعون إلى حياة اقتصادية أفضل (كنموذج غربي - يميني)، وأنّ ثمة أغلبية طفيفة تنحاز إلى التحالف مع الغرب بدلاً من الصين وروسيا.
كما تعتقد إسرائيل أنّ صورتها بين مواطني جنوب أفريقيا تظلّ صامدة إلى حدّ ما، وأنه يمكّن تل أبيب الاستفادة من خسارة «المؤتمر» التاريخية للانتخابات السابقة (أيار 2024)، وصعود «التحالف الديموقراطي» (الممثّل أساساً لجماعات البيض)، فيما تضغط باستمرار لإضعاف الحزب الحاكم، ودعم أجندة واشنطن الهادفة إلى مراقبة التزام الأخير بإصلاحات اقتصادية مؤلمة، لا سيّما في سياسة الأراضي وفي قطاع الاتصالات، وتصويب سياساته الخارجية.
فكرة «التاريخ المشترك»، وتوظيفها دبلوماسيّاً يمثلان ركيزة إسرائيل الأولى في مقاربتها لإثيوبيا
وتخلص السردية تلك إلى ضرورة وقوف إسرائيل بشكل كامل خلف موقف إدارة دونالد ترامب، ومواصلة الضغط «في هذه المرحلة، كونها تمثّل فرصة نادرة في جنوب أفريقيا لدعم الديموقراطية وحكم القانون، وفرصة لتطوير العلاقات الجنوب أفريقية - الإسرائيلية».
ولا يبدو مستغرباً توظيف إسرائيل لقراءة تاريخية مختلطة للحالة الجنوب أفريقية، مثل دعم الاتحاد السوفياتي الكامل لـ«المؤتمر الوطني الأفريقي» قبل 1991، للإيحاء بأنّ الحزب كان شيوعياً راديكاليّاً تماماً، خلافًا لحقائق نشأته على يد نخب غربية الفكر والثقافة حتى النخاع، ومن أبرزهم ألبرت لوتولي الحائز جائزة «نوبل» للسلام (1960)، والذي عنون مذكراته الشهيرة بآية: «أطلق شعبي (ليعبدوني في البرية)»، كناية عن خروج اليهود من مصر (1962). كما تركّز هذه القراءة على «العامل الإيراني» بوصفه مثار قلق وتوتّر، أملًا في استجرار ضغط غربي أكبر على بريتوريا لتحجيم علاقاتها مع طهران مستقبلاً.
إسرائيل وإثيوبيا: دبلوماسية «التاريخ المشترك»!
أعلن باحثون في جامعة تل أبيب، مطلع الشهر الجاري، اكتشاف ما وصفوه بـ«أقدم مخطوطات يهودية إثيوبية» مكتوبة باللغة الجعزية وتعود إلى القرن الخامس عشر، متحدّثين عن تاريخ جديد لجماعات اليهود الإثيوبيين المعروفة بـ«بيتا إسرائيل». على أنه لا يمكن فصل هذا الإعلان عن جهود إسرائيل لتثبيت مواطئ قدم لها في إثيوبيا. والواقع أنّ العلاقات الوطيدة بين إسرائيل وإثيوبيا تمثّل رافعة أساسية للأولى في سياساتها الأفريقية الراهنة، وخصوصاً: حوض النيل، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وإقليم شرق أفريقيا.
وقد نحت تل أبيب في اتجاه تعميق هذه العلاقات، منذ أيار الماضي، بعد محادثات مهمّة أجراها وزير خارجيتها، جدعون ساعر، مع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، شملت، بحسب بيان صدر عن الأول، التعاون في مجال «الأمن الإقليمي»، فيما أكّد الثاني تشارك الطرفين «جذوراً تاريخية وصلات قديمة». كما كان ثمة تشديد إثيوبي على ««القيم المشتركة» المزعومة، وهو الجانب الذي تحرص عليه الدبلوماسية الإسرائيلية في القارة بشكل مستمرّ.
أيضاً، تعوّل إسرائيل على نشاط إثيوبي كبير ومرتقب في أفريقيا، مثل استضافة أديس أبابا محادثات أولية بين الولايات المتحدة و«الاتحاد الأفريقي» ومسؤولين إثيوبيين، سبقت الاجتماع الرباعي المرتقب في شأن السودان، والذي تستضيفه واشنطن بحضور الإمارات ومصر والسعودية، بالإضافة إلى إسهام إثيوبيا في تيسير محادثات أممية وأميركية مع أطراف سودانية «مدنية» في أديس أبابا.
وهكذا، فإنّ فكرة «التاريخ المشترك»، وتوظيفها دبلوماسيّاً، يمثلان ركيزة إسرائيل الأولى في مقاربتها لإثيوبيا (ومن ورائها دول أفريقية أخرى منها السودان وإريتريا)، لتعزيز فرص تمدُّد نفوذها في القارة على أسس «دينية» مختلقة.
إسرائيل في ركاب الهند في غرب أفريقيا
حضر التعاون الوثيق بين إسرائيل والهند في أجندة جولة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى كل من غانا وناميبيا (2-3 الجاري). ورغم رغبة نيودلهي في التأكيد أنّ الجولة تستهدف بناء تعاون جنوب - جنوب، وتوظيف القوّة الناعمة الهندية (في أفريقيا)، والتعاون الذكي (لا سيّما في قطاع الزراعة والدعم الأمني والعسكري لمكافحة الإرهاب)، إلا أنّ غاية الزيارة الأكثر إلحاحاً، هي تفنيد الفكرة القائلة إنّ الهند مجرّد تابع للولايات المتحدة ونفوذها في القارة، أو إنها من قوى الاستعمار الجديد في القارة الأفريقية. ويبدو أنّ ثمّة تطابقاً في حجم الدورَين الهندي والإسرائيلي وطبيعتهما في أفريقيا، إضافة إلى ارتباطهما فعليّاً بالسياسة الأميركية ارتباطاً تابعاً تماماً.
إذ تعهّدت نيودلهي، أثناء وجود مودي في أكرا، بتقديم دعم عسكري واستخباري كبير للأخيرة لمواجهة احتمالات تمدُّد الإرهاب في أراضيها قادماً من تخوم دول الساحل الأفريقي، وأدّى دوراً أكبر في تعزيز قدرات الجيش الغاني (وهو الدور الذي ظلّت ترتاده إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في غانا). ويتّضح من مواقف الهند من الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، المتفّهم تماماً لمنطق العدوان الإسرائيلي، حجم التنسيق بين نيودلهي وتل أبيب في غرب أفريقيا. كما حضرت إسرائيل في زيارة مودي التي شملت ناميبيا، وسعى عبرها إلى زيادة واردات بلاده من الماس الناميبي عبر واحدة من كبريات الشركات الهندية ذات الصلة الوثيقة بشركات إسرائيلية وإماراتية في صناعة الماس وتجارته.
إجمالًا، يبدو أنّ إسرائيل ترتّب أوراقها لجولة جديدة من التأثير في أفريقيا، وتعويض خساراتها - المعنوية على الأقلّ - من الحرب مع إيران. وستعود، بذلك إلى طريقتها المثلى: العمل في ركاب الغرب، وتوظيف أدوار إقليمية (هذه المرّة الهند، إضافة إلى الإمارات وعدد من الدول الأفريقية البارزة)، والترويج للأواصر التاريخية والدينية بين إسرائيل والقارة، وهي أواصر أقلّ ما يقال عنها إنها مختلقة ببراعة وبقصد سياسي واضح.
