
أوجز البيان الحكومي السوري الصادر عقب انتهاء اجتماع وفدَي الحكومة و»الإدارة الذاتية» لشمال شرق سوريا، واقع حال الجولة الرابعة من المفاوضات بين الجانبين، والتي شهدت توتراً، استدعى تدخلاً أميركياً بإعطاء إشارات إلى «قسد» بإمكانية التخلّي عنها، في حال استمرار تعطّل تطبيق اتفاق 10 آذار. وكشف البيان عن عمق الخلافات بين الطرفين، بعد مرور أربعة أشهر على إعلان ذلك الاتفاق، وفشل كل الجولات السابقة في ردم خلافاتهما، وخاصة تلك المتعلّقة بشكل الدولة وآلية انضمام «قسد» كأفراد، وفق ما تريده دمشق، أو ككتلة، بحسب ما تطالب به «قسد».
ولعلّ مما عزّز موقف الحكومة السورية في المفاوضات، هو تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، الذي قال لوسائل إعلام كردية صراحة إن «قسد تماطل» في تطبيق اتفاق 10 آذار، مع الإشادة بمرونة الحكومة في التعامل مع هذا الملف. واعتُبر ذلك التصريح بمثابة بداية تخلّ أميركي عن «قسد»، بعد أكثر من عشر سنوات من التبنّي التام لها ودعمها عسكرياً ولوجستياً، كشريك رئيسي في محاربة تنظيم «داعش»، وتحديداً منذ هجوم التنظيم على مدينة عين العرب (كوباني).
وترك تصريح براّك أثراً لدى الأكراد بشكل عام، وسط دعوات من أنصار «قسد» إلى التمسّك بالمطالب الكردية في المفاوضات مع دمشق وتحمّل الضغوط الأميركية والفرنسية، إلى حين تحقيق هدف التشارك في السلطة. وعلى إثر ذلك، حاول المبعوث الأميركي تخفيف حدة تصريحاته ضد «قسد» من خلال تأكيده في تصريحات إلى وكالة «أسوشيتد برس»، أن «قوات سوريا الديمقراطية كانت شريكاً قيّماً في القتال ضدّ تنظيم داعش»، مشيراً إلى أنه «لا يزال الخلاف قائماً بين الحكومة السورية والأكراد حول خطط دمج القوات»، مضيفاً أن «الطرفين كانا منفصليْن لفترة من الوقت وربما على علاقة عدائية لفترة من الوقت.
ويتعيّن عليهما بناء الثقة خطوة بخطوة»، وكان مصدر حكومي علّق، في تصريحات إلى وسائل إعلام رسمية، بأن «التجربة أثبتت أن الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر، والمطلوب اليوم هو العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة والانخراط في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة»، مضيفاً أن «الحكومة تبدي تفهّمها للتحدّيات التي تواجه بعض الأطراف في قسد»، لكنه حذّر من أن «أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقّعة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد، ويُعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق».
حاول المبعوث الأميركي تخفيف حدّة تصريحاته ضد «قسد»
ولفت المصدر إلى أن «الحكومة السورية ترحّب بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتشكر الجهود الأميركية المبذولة في رعاية تنفيذ هذا الاتفاق، انطلاقاً من الحرص على استقرار البلاد ووحدة شعبها»، مشيراً إلى «تجديد الدولة السورية تمسّكها الثابت بمبدأ سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة. وترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسـيم أو الفدرلة التي تتعارض مع سيادتها ووحدة ترابها».
واعتبر المصدر أن «الجيش السوري يُعدّ المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن، مع الترحيب بانضمام المقاتلين السوريين من قسد إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة»، مشدّداً على ضرورة «عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرق البلاد، بما في ذلك مؤسسات الخدمات والصحة والتعليم والإدارة المحلية، لضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإنهاء حالة الفراغ الإداري، وتعزيز الاستقرار المجتمعي».
وتعليقاً على ذلك، أكّد مصدر مطّلع على مسار المفاوضات، لـ»الأخبار»، أن «قسد تشهد انقساماً بين تيارين: الأول مقتنع بالاندماج والتحوّلات التي تعيشها البلاد، والآخر رافض لذلك مع الدفع نحو التمسك بخيارات الفدرالية واللامركزية»، مضيفاً أن «الحكومة السورية تخضع أيضاً للضغوط التركية الرافضة لأي تمثيل لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يقود الإدارة الذاتية في مفاصل الدولة».
وكشف المصدر أن «الجولة الرابعة من المفاوضات شهدت نقاشات حادّة بين الجانبين، وسط خلافات حول هوية الدولة واسمها، ومطالبات كردية بتعديل الإعلان الدستوري»، مشيراً إلى أن «الطرفين الضامنين، الولايات المتحدة وفرنسا، منحا الطرفين فرصة لإعادة ترتيب أمورهما وعقد اجتماع حاسم خلال شهر، لمعرفة مستقبل اتفاق 10 آذار». ورجّحت أن «تواصل واشنطن ضغطها على الطرفين لتقديم تنازلات واسعة، تفضي إلى نقاط تلاق».
من جهته، اتّهم مصدر كردي، المبعوث الأميركي، بممارسة ضغوط على «قسد»، «لإرضاء تركيا ولتقديم مغريات للحكومة السورية لدفعها إلى توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل أو التطبيع الشامل»، مؤكداً أن «تصريحاته لا تعبّر عن واقع الحال، في ظل تهرّب الحكومة السورية من مسؤولياتها في القيام بحوار جدّي وفاعل». ولفت المصدر، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «الموقف الأميركي تجاه الكرد معروف ولم يتغيّر من خلال دعم قسد عسكرياً، واستمرارية التواجد الأميركي في مناطقها»، داعياً «واشنطن إلى تقديم مزيد من الدعم السياسي الموازي للدعم العسكري، للوصول الى حالة ديمقراطية في سوريا تنهي فترة حكم الطرف الواحد للبلاد».

