سوريا الجديدة... ثلاث كذبات لم تَطُل!
تتهاوى سردية «سوريا الجديدة» مع تكشّف خيوط التطبيع مع العدو، وغياب العدالة، وانكشاف وهم الثروات، في نظام يعيد إنتاج الفشل تحت شعارات الثورة.


بعد سبعة أشهر على سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، تبدو صورة سوريا الحقيقية بعيدةً كل البعد عن تلك التي يحاول إعلام النظام الجديد رسمها. فوقائع الأحداث خلال الأشهر الأخيرة، والنتائج الناجمة عن تلك الوقائع، الآن وفي المستقبل، لا تدع مجالاً للشكّ في أن السرديّة التي قامت عليها الإدارة الجديدة كوريثة لمسار الثورة السورية منذ آذار 2011، سقطت على يد الإدارة ذاتها، حين حطّمت عند أول امتحان فعلي ثلاث كذبات كبرى أطلقتها بنفسها، واختبأ خلفها كثر طوال السنوات الماضية.
قدّمت الإدارة الجديدة والثورة السورية بشكل عام، نفسها، كردّ فعل على ادّعائها «تخاذل» آل الأسد في مقارعة إسرائيل واستعادة الأراضي المحتلّة، وعلى سردية أن الجيش السوري السابق كان حرساً لحدود الكيان من الجنوب السوري. حتى إن الرئيس المؤقّت، أحمد الشرع، اكتسب اسمه الحركي في تنظيم «جبهة النصرة» ثم في «هيئة تحرير الشام» (أبو محمد الجولاني)، من الربط الرمزي مع الجولان المحتلّ الذي يتحدّر منه، وذلك في محاولة لنيل شرعية أخلاقية أمام الجماعات الإسلامية وأمام السوريين عموماً، بالتشديد على معاداة إسرائيل والتمسّك بالجولان المحتلّ، فضلاً عن هدف «تحرير القدس» كما سبق أن أكّد في خطاباته قبل التحوّل.
وعلى الرغم من أنه سبق للمئات من مقاتلي «النصرة» أن تلقّوا العلاج في مستشفيات جيش الاحتلال في الجولان خلال سنوات المعارك في الجنوب السوري (من دون أن يحظى ذلك بالتغطية أو الانتقاد من الإعلام العربي الذي احتضن النصرة وأنشطتها)، إلا أن المسار الذي يسلكه الشرع منذ أيامه الأولى في دمشق إزاء العلاقة مع إسرائيل بات واضح الاتجاه.
فاللقاء الأول بين الإدارة الجديدة والمسؤولين الإسرائيليين، لم يبدأ في الإمارات إنّما في دمشق، وبعد أسبوع على سقوط النظام؛ إذ زار موفدون إسرائيليون، وقتذاك، العاصمة السورية والتقوا بوزير الخارجية أسعد الشيباني برعاية الاستخبارات التركية. وبعد ذلك، تكرّر اللقاء في أذربيجان، قبل أن يتعدّد الوسطاء، من قطر إلى الإمارات إلى تركيا.
ومن بين مؤشرات محاولات الشرع مهادنة إسرائيل، على الرغم من كل ما تمارسه منذ سقوط النظام السابق (احتلال جبل الشيخ والتمدّد العسكري والأمني حتى رخلة قرب دمشق وفي ريفَي القنيطرة ودرعا، والقصف المستمر لمواقع الجيش السابق واستهدافها نقطة ملاصقة للقصر الجمهوري السوري)، ما يلي: تسليم أرشيف الجاسوس إيلي كوهين في بداية شهر أيار الماضي إلى إسرائيل، شنّ حملة ضد المنظمات الفلسطينية المتبقية في سوريا ومصادرة أسلحتها، فتح الباب أمام عودة اليهود السوريين بمعزلٍ عن حمل بعضهم الجنسية الإسرائيلية وفتح خطوط الاتصال واللقاءات مع أعضاء في أكثر المنظمات اليهودية والصهيونية المتطرفة، فتح الطريق البري من الداخل المحتل ومن الضفة إلى الجنوب السوري عبر الأردن بما يسهّل حركة الإسرائيليين نحو العمق السوري من دون حسيب أو رقيب، فضلاً عن شن الحملات الأمنية على محاولات حزب الله تهريب السلاح إلى لبنان عبر الأراضي السورية، والإعلان المتكرّر عن ذلك في وسائل الإعلام التابعة للنظام الجديد.
أما في ما يخصّ الجولان المحتلّ، فلم يصدر موقف سوري رسمي واحد حتى الآن، يطالب بعودة الجولان كاملاً كشرط لتحقيق «السلام». بل على العكس من ذلك، يتعمّد الشرع والشيباني تغييب الحديث عن الجولان في المواقف العلنية والخاصة والاعتراف بإسرائيل دولة إقليمية طبيعية، وكأنّ الشرع تخلّى عن الجولان مع تخلّيه عن اسمه الحركي، فيما خَجِل الشيباني من المطالبة بالهضبة خلال كلمته في القمة العربية في بغداد نهاية أيار الماضي.
وبينما يقول مسؤولون سوريون علناً إنهم يريدون «السلام»، يروّج الإعلاميون المقرّبون من الرئيس الانتقالي لفكرة تقسيم الجولان والتنازل عن أجزاء منه، لا بل إن من بينهم من يطرح التخلي الكلي عن الهضبة، لأن فيها أربع قرى درزية وقرية علوية، متناسين أن هناك أكثر من 400 قرية ومزرعة هدمها الاحتلال وشرّد منها ما يزيد عن نصف مليون مواطن سوري موزّعين حتى الآن على أحزمة البؤس في المدن السورية، وغالبيتهم من السنّة السوريين، من العشائر العربية والشركس. يحصل هذا على الرغم من أن لدى الشرع، الأداة السياسية السورية التقليدية وهي «الأرض مقابل السلام»، وهو المبدأ الذي يضمن حق سوريا مهما طال الزمن ويحميها من الدخول في اتفاق تتنازل فيه عن أجزاء من أراضيها وحقوق شعبها.
الأكذوبة الثانية، هي أن وصول الإدارة الجديدة إلى الحكم في دمشق، يحقّق ما ادّعت الثورة السورية أنها قامت من أجله، أي الحرية والعدالة والكرامة ورفض الظلم. في ما يتعلّق بملفّ العدالة الانتقالية، ومحاكمة المسؤولين من النظام السابق عن الانتهاكات، لم يُظهر النظام الجديد أي تمسّك بالعدالة الانتقالية، بل باللاعدالة الانتقائية، إذ إن الكثير من التوقيفات الحالية التي تحصل لضباط أو عناصر من الجيش السابق والأجهزة الأمنية والقوات الرديفة، تستهدف صغار الضباط والعناصر مع اتهامات جاهزة ومبالغات في تحميل المسؤوليات عبر البيانات الإعلامية، في محاولة للتعمية على حقيقة أن المجموعات الأمنية التابعة للشرع تبيع وتشتري وتبتزّ الضباط والعناصر وعائلاتهم والمرتبطين بالنظام السابق لدفع الأموال مقابل العفو والتخليص من الملفات، فضلاً عن تعاون الإدارة الجديدة مع الكثير من رموز الفساد في الحقبة السابقة مقابل الأموال، وحتى تكليف البعض ممن ارتبطت أسماؤهم بمجازر مباشرة، مثل فادي صقر، بمهام رسمية على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات.
وبذلك، يكون النظام الجديد قد أضاع حقوق الضحايا القدماء وولّد ضحايا جدداً، في حين تحوّلت سجون النظام السابق، عدا سجن صيدنايا الذي لا يزال مفتوحاً للدعاية السياسية، إلى سجون للنظام الجديد، يعتقل فيها عشرات آلاف الجنود السابقين، وكل من يخالفه الرأي، مع انتهاكات جسيمة بحق الموقوفين والمعتقلين تفوق بوحشيتها انتهاكات النظام السابق.
وبدل شعارات حقوق الإنسان والكرامة والحرية، تحوّل الخطاب الطائفي للسلطة الجديدة وحاضنتها الشعبية، والتي لا تمثّل الشريحة الأوسع من الشعب السوري، إلى خطاب فصل عنصري منهجي تجاه جماعات أخرى من السوريين، ولا سيّما العلويين والدروز، الذين ياتوا يعانون التمييز الإداري والاجتماعي.
وبينما تراجعت نسبة الاعتداءات الأمنية ضد الدروز، تستمر الاعتداءات بمختلف أشكالها بحق العلويين والمرشديين في الساحل السوري وحمص وحماه وحتى في دمشق. وجاء الهجوم الإرهابي ضد كنيسة مار إلياس في دمشق، ليؤكّد هواجس المسيحيين السوريين من التحريض الطائفي المتنامي في المجتمع، برعاية وتوجيه من أركان النظام نفسه والمحسوبين عليه، وهو ما أشار إليه تقرير «رويترز» حول دور المسؤولين الجدد عن مجازر الساحل.
ولم يأت كلام البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي، خلال لقائه رئيس الجمهورية جوزف عون قبل يومين، عمّا يتعرّض له المسيحيون السوريون، من عبث؛ إذ إن الراعي كان قد زار البطريرك الأرثوذكسي يوحنا العاشر اليازجي للتعزية بشهداء الكنيسة، وأجرى اتصالات مع بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق يوسف العبسي، حيث بات البطاركة الثلاثة يعبّرون عن القلق الكبير من المخاطر على النسيج السوري، وأثر ذلك على الوجود المسيحي في داخل سوريا.
حتى إن ثمة معلومات حول قيام البطريرك اليازجي بمحاولة ثني العديد من العائلات عن ترك البلاد والهجرة، في ظل المخاوف الحالية. والأزمة بالنسبة إلى البطاركة، أن الاعتداءات الأمنية لا تنبع من الفوضى فحسب، إنّما من نهج يجري زرعه بشكل يومي في المؤسسات الجديدة، تحت أنظار النظام الجديد.
أما الأكذوبة الثالثة، فهي وجود الثروات الخيالية في باطن الأرض السورية، وقيام النظام القديم بسرقة تلك الموارد، بما منع تحوّل سوريا إلى دولة على طراز دول الخليج. لكن بعد مرور أكثر من نصف سنة على خروج الأسد من دمشق، لم تظهر حتى الآن أي اكتشافات جديدة لدى الإدارة المؤقتة، ولم تبد أيّ من الشركات العالمية اهتمامها بالتنقيب عن النفط أو الغاز أو المعادن، لا في مناطق سيطرة الشرع ولا في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» في الشرق.
أكثر من ذلك، تكشف الوقائع العلمية أن ملف النفط والغاز في سوريا يمثّل كارثة كبرى، نظراً إلى حاجة البلاد الهائلة إلى الطاقة، ووجود موارد شحيحة للغاية في باطن الأرض، فضلاً عن الصعوبات والتكلفة المرتفعة لإعادة ترميم الآبار والحقول التي تعرّضت للدمار والضرر خلال الحرب، ونضوب الكثير منها أو غورها. حتى ملف التنقيب عن الغاز في البحر السوري، يبدو النقاش حوله إما مؤجّلاً، أو محصوراً في المحاولات التركية الحصول من سوريا على اتفاقية بحرية تسمح لتركيا بالوصول إلى اتفاقات أشمل في المتوسط والهيمنة على الحقول القبرصية الواعدة، وليس للتنقيب في الحقول السورية ذات التكلفة المرتفعة.
أما الإدارة الجديدة، فلم تكلّف نفسها عناء الدعوة إلى الاستكشاف أو الاستثمار في أي من حقول الطاقة لا في الساحل ولا في البادية، فيما يقتصر كل حديثها على الاستجرار من تركيا ومن الأردن، الذي لا يملك فائض الغاز بل يعتمد على الغاز الإسرائيلي، ما يعني أن الغاز الأردني المزعوم، لن يكون إلّا غطاءً للغاز الإسرائيلي، وهذا ما يعيدنا مجدّداً إلى الكذبة الأولى.
