
كشفت الجولة الرابعة من المفاوضات بين وفدَي الحكومة السورية و«قسد»، عن وصول الطرفين إلى مفترق طرق حاسم، بعد أربعة أشهر على توقيع اتفاق 10 آذار بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي، من دون تحقيق تقدّم فعلي في تطبيق أيّ من بنوده الثمانية.
ويرجع هذا التعثّر إلى تمسّك كلّ طرف برؤيته الخاصة لترجمة تلك البنود، خصوصاً في ما يتعلق بآلية ضمّ القوات العسكرية التابعة لـ«قسد» و«الأسايش» (الأمن الداخلي) إلى وزارتَي الدفاع والداخلية؛ إذ يطالب وفد «الذاتية» بدمج مؤسسات هذه الأخيرة الإدارية والمدنية في الوزارات الحكومية، مع ضمان «تمثيل عادل» للكرد في الحكومة ومجلس الشعب والنقابات والهيئات المركزية، في حين ترى الحكومة أن انضمام مقاتلي «قسد» و«الأسايش» يمكن أن يتمّ كأفراد وليس ككتلة واحدة، مع دمج موظفي هيئات «الذاتية» في المديريات والهيئات الفرعية للدولة وفق تقسيمهم المناطقي (كلّ حسب محافظته)، والاستعداد لتمثيل الكرد - كبقية «المكوّنات» - في مؤسسات الدولة، من دون منحهم خصوصية مستقلة.
وعكست البيانات والتصريحات الصادرة عقب الجولة الرابعة، عمق هوّة الخلافات، والتي بدا أنها تحتاج إلى قرار استراتيجي من الطرفين: إمّا بالمضي في طريق الحوار واعتماده سبيلاً لتجاوز الخلافات على مراحل، أو الانزلاق نحو حلول عسكرية مشابهة لما يحصل الآن في السويداء، لإخضاع مناطق سيطرة «قسد» بالقوة. على أن الخيار العسكري يبدو صعباً هذه المرة بالنسبة إلى «قسد» التي يمكن أن تفتقد الإمداد العسكري الأميركي البري والجوي. كما أن نسبة كبيرة من مقاتلي «قسد» هم من أبناء العشائر الذين يرتبطون بأقرانهم المنضمّين إلى صفوف الفصائل المنضوية في وزارة الدفاع أو الأمن العام، ما يجعل من أي مواجهة عسكرية ذات حساسية عالية.
يستبعد مصدر مقرّب من «قسد» اللجوء إلى الخيارات العسكرية
في المقابل، من شأن قرار الحسم العسكري بالنسبة إلى الحكومة الانتقالية، أن يكلّفها فتح جبهات واسعة تمتد من عين العرب في ريف حلب مروراً بدير حافر وصولاً إلى الطبقة والرقة وريفَي دير الزور الغربي والشرقي. كما أن «قسد» حفرت شبكة واسعة من الأنفاق، ما يجعل من أي عملية اجتياح معقّدة ومكلفة، في ظل غياب سلاح الجو السوري.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر مطّلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن الجولة الخامسة من المفاوضات، والتي من المُتوقّع عقدها «خلال أقل من شهر»، ستكون «حاسمة لجهة تحديد الوجهة المقبلة»، متوقعةً «ألّا تمانع أي دولة قرار الحل العسكري باستثناء فرنسا التي لا تزال في موقف دفاعي تجاه قسد». وتلفت إلى أن «حضور ممثّلي الولايات المتحدة وفرنسا، في الجولة السابقة، جاء بهدف كشف كل الأوراق، وإيصال رسائل إلى قسد بإمكانية خسارتها لحلفائها الدوليين في حال تمسّكت بمطالبها بالفدرالية واللامركزية»، معتبرةً أن «الحكومة الانتقالية تحظى بتأييد دولي لجهة مركزية الدولة، وعدم القبول بفدراليات أو نظام لا مركزي للحكم».
وفي الوقت نفسه، تتحدّث المصادر عن «وجود انقسامات واضحة في صفوف «قسد»، بين جناح يؤيّد فكرة الاندماج مع الدولة، وآخر يعارضها مراهناً على أجندة خارجية في إشارة إلى «حزب العمال الكردستاني»»، فيما يطالب أحد المصادر «قيادة «قسد» بالتحلّي بروح المسؤولية وإبداء مرونة أوسع في المفاوضات وصولاً إلى تسوية شاملة للملف».
في المقابل، يقول مصدر مقرّب من «قسد» إن هذه الأخيرة ترى أن «الجولة الرابعة كانت إيجابية، نظراً إلى أن كل طرف طرح ما لديه وبحضور صنّاع القرار فيه وتحت أنظار الدولتين الراعيتين للاتفاق (الولايات المتحدة وفرنسا)»، مشيراً إلى أن «هذا يدل على جديّة كل طرف في المضي في الحوار كمنهج أساسي للتوصل إلى تفاهمات حول القضايا الخلافية العالقة». ويستبعد المصدر أن «تتخلى الولايات المتحدة، التي تحاول إغراء رئيس المرحلة الانتقالية لدفعه إلى توقيع اتفاق سلام مجاني مع إسرائيل، عن دعم «قسد» لحاجتها إليها في محاربة تنظيم داعش الذي يتنامى خطره في سوريا والمنطقة بعد سقوط نظام الأسد».
كما يستبعد المصدر نفسه «اللجوء إلى الخيارات العسكرية في ظل الاتفاق على عقد جولة جديدة من المفاوضات»، مؤكداً أن «قسد متمسّكة بالحوار ولن تبادر إلى الهجوم وستحاول منع الحلول العسكرية بكل السبل». ومع ذلك، يؤكّد أن ««قسد» ستدافع عن نفسها في حال التعرض لهجمات، وستبقى متمسّكة بمطالبها للوصول إلى سوريا تعدّدية لامركزية ديمقراطية».

