أكبر موجة نزوح منذ 14 عاماً: جبل العرب يستعيد كوابيسه

تعيش السويداء أكبر موجة نزوح منذ 14 عاماً، وسط قصف وجرائم موثّقة، فيما تتكرّر وعود المحاسبة بلا رادع، ويُعاد إنتاج كوابيس الساحل في جبل العرب.

الأخبار
الأربعاء 16 تموز 2025
دفع الهجوم العنيف بغالبية سكان المدينة وريفها الغربي إلى النزوح، بحثاً عن الأمان، نحو قرى الريف الجنوبي وبلداته (أ ف ب)
دفع الهجوم العنيف بغالبية سكان المدينة وريفها الغربي إلى النزوح، بحثاً عن الأمان، نحو قرى الريف الجنوبي وبلداته (أ ف ب)
الخط

شهدت محافظة السويداء، وتحديداً مدينة السويداء وريفها الغربي، موجة نزوح غير مسبوقة في تاريخ الجبل منذ اندلاع الحرب السورية قبل أكثر من أربعة عشر عاماً، وذلك على خلفية الهجوم الذي شنّته وحدات من وزارتَي الدفاع والداخلية تحت عنوان «فضّ نزاع» بين فصائل محلية درزية وأخرى من العشائر (البدو)، كانت قد اندلعت اشتباكات بينها قبل 3 أيام. ودفع الهجوم العنيف، الذي تخلّله قصف صاروخي واستخدام للطائرات المُسيّرة وقذائف الهاون، بغالبية سكان المدينة وريفها الغربي إلى النزوح، بحثاً عن الأمان، نحو قرى الريف الجنوبي وبلداته، وتحديداً صلخد والبلدات المجاورة لها. كما سُجّلت حالات نزوح في اتجاه القرى المحاذية للجولان السوري المحتل.

وتكثّفت حركة النزوح تلك مع انتشار مقاطع مصوّرة تُظهر جرائم واسعة النطاق ارتكبتها مجموعات محسوبة على وزارتَي الدفاع والداخلية، وولّدت ردود فعل غاضبة لدى السكان الذين سارعوا إلى المطالبة بوقف تلك الانتهاكات والجرائم، التي شملت عمليات سرقة ونهب طاولت ممتلكات عامة وخاصة، فضلاً عن حالات قتل فردية وجماعية، في مشهد أعاد إلى الأذهان أحداث الساحل السوري.

ليلة النزوح الجماعي

مع ساعات الفجر الأولى من يوم أمس، وفي ظل انتشار شائعات عن نية الفصائل المحلية تسليم سلاحها، والسماح لتلك التابعة لوزارتَي الدفاع والداخلية بدخول المدينة، بدأت أحياء السويداء تشهد موجات نزوح جماعية، شملت في معظمها النساء والأطفال، الذين افترش البعض منهم مزارع وأراضي زراعية في الريفين الجنوبي والشرقي للمحافظة.

ويؤكّد مصدر أهلي في المدينة، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «المدينة عاشت ليلة عصيبة مع اشتداد المعارك واقترابها من الأحياء الشمالية، ما دفع بالسكان إلى حالة نزوح شبه جماعية»، معتبراً أن «السبب الرئيسي للنزوح هو الخوف من تكرار سيناريو الساحل في السويداء، وهو ما حصل بالفعل في بعض الأحياء، ولكن بدرجة أقل». وأوضح المصدر أن «القسم الأكبر من السكان توجّه إلى صلخد ومحيطها، ما خلق ضغطاً سكانياً هائلاً، وسط تخوّف من امتداد العمليات العسكرية إلى مناطق النزوح».

الليلة الأصعب

تكاد تكون ليلة أمس هي الأصعب التي مرّت على السويداء في تاريخ الحرب السورية، باستثناء ليلة الهجوم الذي شنّه تنظيم «داعش» على قرى الريف الشرقي قبل أكثر من سبع سنوات؛ إذ عمّت المدينة مشاعر الخوف من وقوع انتهاكات وجرائم، وسط معاناة إنسانية متزايدة. وتقول أمل، وهي من أهالي المدينة، إن «ما حصل أشبه بتغريبة جماعية لسكان السويداء، الذين فرّ نحو 80% منهم وتركوا بيوتهم وممتلكاتهم، في اتجاه مناطق أكثر أماناً». وتلفت إلى أن «من دخلوا إلى المدينة كان تعاملهم سيئاً، وسط انتشار حالات اغتيال وسرقة ونهب»، مستدركة بأن «هناك مجموعات عاملت السكان باحترام وأعطتهم الأمان وأدخلت الطمأنينة إلى قلوبهم، لكن هؤلاء لا يشكّلون الأكثرية».

تكاد تكون ليلة أمس هي الأصعب التي مرّت على السويداء في تاريخ الحرب السورية

وتضيف السيدة، التي قرّرت البقاء في المدينة، أن «هناك خوفاً من المستقبل، ومن أن تصبح الانتهاكات سلوكاً يومياً»، مطالبةً بـ«عدم تجاهل هذه الانتهاكات من قبل السلطات كما حصل في الساحل، وضرورة المحاسبة العلنية من دون أي تأخير».

ويشير أبو ماهر، وهو رجل خمسيني نزح مع أولاده إلى قرى الريف الجنوبي، من جهته، إلى أن «الجرائم التي وقعت تهدّد بخلق شرخ اجتماعي عميق في حال عدم محاسبة المسؤولين عنها». ويضيف أنه «نزح مرتين خلال 48 ساعة: الأولى من بلدة المزرعة، وسط معلومات حول تعرّض منزله للسرقة، والثانية من مدينة السويداء نفسها في اتجاه صلخد»، مشدّداً على «ضرورة التهدئة وحقن الدماء، والبحث عن آلية تضمن حقوق أهل الجبل وكرامتهم».

الخدمات معدومة

منذ بدء تطوّر الأحداث في السويداء، على خلفية حالة اعتداء من حاجز على طريق دمشق على أحد المدنيين، وتطوّرها إلى خطف متبادل، تعيش المدينة واقعاً خدمياً صعباً، وسط انقطاع معظم الخدمات العامة عن عموم المحافظة. ومع حلول مساء الأحد، انقطعت الكهرباء بشكل كامل عن المحافظة، في وقت توقّف فيه عمل الأفران العامة والخاصة، وانقطعت حركة السير مع دمشق وبقية المحافظات. وترافق ذلك مع انقطاع للمياه وضعف حادّ في شبكتَي الاتصالات والإنترنت، وتوقّف جزئي لعمل المستشفيات والمستوصفات، ما أدى إلى شلل في الخدمات العامة.

وفي السياق، يؤكد مصدر في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظة، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «إمكانية تقديم الخدمات الإغاثية للعائلات المهجّرة غير ممكنة، بسبب الظروف الأمنية الصعبة وعدم وجود طرق إمداد للمحافظة»، لافتاً إلى أن «ما تمّ تقديمه جاء بجهود فردية وفزعات من أهالي الريفين الجنوبي والشرقي». ويصف المصدر، الواقع في المحافظة، بـ«المأساوي والصعب»، داعياً إلى «فتح ممرات آمنة للأهالي للنزوح في اتجاه أقاربهم في العاصمة دمشق وريفها»، ومطالباً بـ«تسيير قوافل إغاثية لتلبية احتياجات السكان الفارّين من مناطق سكنهم في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في المدينة وريفها الغربي».

وعود بالمحاسبة

مع تصاعد الجرائم العلنية المرتكبة على أيدي الفصائل التابعة للحكومة، وجدت وزارتا الدفاع والداخلية نفسيهما في موقف حرج، في ظلّ انتشار عشرات المقاطع المصوّرة التي توثّق تلك الجرائم. وفي حين دعا وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، إلى الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وعلى كرامة الأهالي، أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً شدّدت فيه «على ضرورة التزام كلّ الجهات العامة والخاصة المدنية والعسكرية بمنع أي شكل من أشكال التجاوز أو الانتهاك تحت أي مبرّر كان».

كما أعلنت تكليف «الجهات الرقابية والتنفيذية المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحق كل من يثبت تجاوزه أو إساءته مهما كانت رتبته أو موقعه»، وهو نفسه ما كان أُعلن إبان مجازر الساحل، من دون أن يفضي إلى أي شكل من أشكال المحاسبة إلى الآن.