التنمية أهملتها والحرب عزلتها: ثلاثة قطاعات تعتاش عليها السويداء
بقيت السويداء ضمن المحافظات "المظلومة" تنموياً لسنوات طويلة، ثم عزلتها نتيجة اشتعال المناطق المجاورة لها، ورفض شبانها الخدمة العسكرية، وشيوع ظاهرة الخطف.


رغم أن السويداء، مدينة وريفاً، ظلّت بعيدة من دائرة المواجهات المسلّحة طوال سنوات الحرب، ولم ينل منها بالتالي ذلك الدمار والخراب الذي لحق بغيرها من مناطق سوريا، إلّا أنها لم تكن - في الوقت نفسه - أقلّ معاناة من باقي المحافظات، من حيث تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية، لا سيما في ظلّ تهديدات تنظيم «داعش» المتمركز في البادية، وانتشار عمليات الخطف لمدة طويلة، والانقسام المجتمعي حول الموقف من العلاقة مع النظام السابق.
وهي معاناة جعلت بعض سكان المحافظة يتظاهرون صيف عام 2020، احتجاجاً على الغلاء وسوء الأوضاع المعيشية، وذلك قبل أن تشعل سياسات النظام السابق الرامية إلى رفع الدعم الحكومي، في عام 2023، تظاهرات شبه دائمة حصدت تأييداً ضمنياً في معظم المحافظات، وبدأت بمطالب معيشية بسيطة تمثّلت بإلغاء قرارات رفع أسعار السلع المدعومة وتحسين الوضع المعيشي، ثم تحوّلت، مع تجاهل النظام السابق لتلك المطالب، إلى الدعوة إلى إسقاطه، وإيجاد حلّ سياسي لأزمة البلاد المستعصية.
وإبان الأزمة المدمّرة عام 2011، قُدّر عدد سكان محافظة السويداء، وفقاً للبيانات الرسمية، بحوالى 360.9 ألف نسمة، أي ما نسبته 1.8% من إجمالي تقديرات عدد سكان البلاد لعام 2010. وتحت تأثير العوامل المستجدّة التي فرضتها مجريات الحرب على مساحة البلاد من نزوح، هجرة، وفيات وغيرها، فإن عدد سكان المحافظة، وفق تقديرات خبراء السكان، ارتفع ليصل، في عام 2014، إلى حوالى 467 ألف نسمة، ثم إلى نحو 534.8 ألف نسمة في عام 2020، وأخيراً إلى ما يقرب من 540.6 ألف نسمة، في عام 2023.
دلالة هذه الأرقام وأبعادها تتّضح أكثر لدى الوقوف على ماهية التركيب العمري لسكان المحافظة، التي تأتي، بحسب تقارير سابقة لهيئة الأسرة والسكان، في المرتبة الثالثة بين المحافظات من حيث نسبة مَن تُراوح أعمارهم بين 15 و60 عاماً؛ فهؤلاء، وصلت نسبتهم إلى حوالى 66%، في حين أن نسبة مَن تبلغ أعمارهم 14 عاماً وما دون، قُدّرت بحوالى 26.1%، وهي من النسب الأقلّ على مستوى سوريا.
وبالتالي، فإن جلّ سكان السويداء هم من الشباب والقادرين على العمل. وبقدْر ما يشكّل ما تقدّم ميزةً للمجتمعات المحلية أثناء مراحل الازدهار الاقتصادي والنشاط التنموي، ولكنه يتحوّل إلى عبء ثقيل مع تراجع معدّلات النشاط الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية. فمثلاً، بلغت نسبة العاطلين من العمل - إلى إجمالي عدد سكان المحافظة، وليس إلى قوّة العمل -، في عام 2022، حوالى 12.5%. فكيف سيكون الحال إذاً مع تحوّل المحافظة، خلال سنوات الحرب، إلى محافظة جاذبة للسكان بفعل ظاهرة النزوح الداخلي، حيث تضع تقديرات عام 2019، السويداء في المرتبة الخامسة بين المحافظات لجهة صافي الهجرة الداخلية البالغ حوالى 73.5 ألف نسمة.
ثلاثة قطاعات رئيسية
عانت المحافظة، على مدى سنوات طويلة، من إهمال تنموي واستثماري قد لا يكون مطلقاً، إذ لا يمكن تجاهل ما أُنجز على مستوى تطوير وتحديث البنى التحتية والمرافق الخدمية والتعليم. إلّا أن غياب المحافظة عن خريطة المشاريع الاستثمارية المنفّذة فعليّاً في مجالات الصناعة، الزراعة، السياحة وغيرها، أسهم في ارتفاع معدّلات البطالة والفقر والهجرة، ولتأتي الحرب لتفاقم من حدّتها ومخاطرها.
عمليّاً، يقوم اقتصاد المحافظة على ثلاثة قطاعات رئيسية شكّلت، لسنوات طويلة، ما نسبته حوالى 65%-70% من الناتج المحلي الإجمالي للمحافظة.
أولى هذه القطاعات، الخدمات، والذي شكّل ما نسبته نحو 27% من ناتج المحافظة، ثم الزراعة ثانياً بحوالى 22.5%، والتجارة ثالثاً بحوالى 18%. وهذه جميعها تأثّرت بما أفضت إليه مجريات الحرب من أنشطة وممارسات اقتصادية غير مشروعة، وأوضاع أمنية غير مستقرّة، وسياسات اقتصادية منفصلة عن الواقع، وعقوبات غربية مدمّرة.
ولذلك، كان من الطبيعي أن تزداد معدّلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في السويداء، كما في باقي المحافظات السورية الأخرى. فهي، مثلاً، كانت من بين ثلاث محافظات، إلى جانب درعا وريف دمشق، التي سجّلت، خلال السنوات الماضية، تراجعاً في نسبة الأسر الآمنة غذائياً فيها، إذ لم تتجاوز فيها هذه النسبة، الـ8.7%، وهي أيضاً كانت إلى جانب القنيطرة والحسكة الأولى من حيث ارتفاع نسبة الأسر التي تعاني من انعدام متوسط في أمنها الغذائي، والتي بلغت فيها حوالى 55%. لكنها، في المقابل، كانت من بين المحافظات الأقلّ سوءاً من حيث نسبة الأسر المعرّضة لانعدام أمنها الغذائي، والتي قدّرت فيها بحوالى 35%، مقابل نسبة 57% في الرقة مثلاً، و53% في دمشق.
على صعيد واقع انتشار الفقر في المحافظة، تُظهر تقديرات بحثية غير مستقلّة أن ابتعاد المحافظة عن دائرة المعارك والمواجهات العسكرية، خلال مدة الحرب، حال دون تفاقم ظاهرة الفقر فيها؛ إذ قُدّر معدّل الفقر الشديد لعام 2019، هناك، بحوالى 53%، مقارنة بحوالى 71% على المستوى الوطني. كما إن معدّل الفقر الإجمالي فيها، سجّل ما نسبته 77%، مقابل نحو 86% على المستوى الوطني.
ويبدو أن المحافظة استمرّت في المحافظة على معدّلات فقر قد تكون ليست بالقليلة، إنّما هي أقلّ مأساة من المحافظات الأخرى. ففي بيانات حديثة صادرة عن «المركز السوري لبحوث السياسات»، يَظهر أن السويداء سجّلت إلى جانب محافظات أخرى، كالحسكة ودير الزور واللاذقية، أدنى قيم لخطوط الفقر الثلاث.
فالخط الوطني للفقر المدقع قُدّر فيها بحوالى 1.7 مليون ليرة، ولخط الفقر الأدنى 2.7 مليون ليرة، ولخط الفقر الأعلى حوالى 4 ملايين ليرة. إنّما ذلك لا يعني حكماً أن معدّلات الفقر في المحافظات قليلة أو مضبوطة، فذلك مرتبط بدخل المواطنين في المحافظة وبمستويات الأسعار والتضخّم المسجل فيها.
