من يغسل الإرهاب في سوريا؟
تتولّى واشنطن تبييض إرث «القاعدة» في سوريا عبر الشرع، شريكها الجديد، فيما يواصل الإرهاب تمدّده تحت غطاء دولي وتركي يرعى مجازر جديدة باسم الدولة.


لم تنفع كلّ حملات تبييض السجلّ وطمس الجرائم المستمرّة منذ 14 عاماً، في نزع هويّة «الإرهاب» عن الجماعات التي تحكم سوريا الآن، ولا عن أكبر قادتها، الذي نام كأبي محمد الجولاني، واستفاق كأحمد الشرع بعد أسبوعين، رئيساً مؤقّتاً في دمشق.
وأثبتت الأحداث الأخيرة في السويداء، أن تلك الأعمال الإجرامية، النابعة من مركّب مخيف من الأفكار الظلامية الغازية لبلاد الشام والعراق، ليست حدثاً طارئاً أو نتيجة لقمع نظام آل الأسد، إنّما هي في صلب ميثاقها الفكري والأيديولوجي، وكل ما يَظهر منها عكس ذلك، ليس إلّا لزوم التقيّة والتمكين.
أيضاً، أكّدت الأحداث ومعها لهاث الشرع خلف التطبيع مع إسرائيل، بينما تتوغّل الأخيرة في جنوب سوريا، عمق الترابط السببي بين التوسّع الصهيوني، ووجود هذه الجماعات، بعدما كان الحديث عن أيّ مقاربة مماثلة قبل أشهر، نظريّة «مؤامرة»، عند بعض الذين لا يصدّقون... إلّا إذا لمسوا!
حسناً، لم تبدأ عملية الـWHITE WASHING لجماعات تنظيم «القاعدة» في سوريا، وللجولاني، في عام 2017 فقط، وفق ما حاول السفير الأميركي السابق، روبرت فورد، تصوير الأمر، في إطار تفاخره بـ«ترويض» الشرع، ووزير خارجيته أسعد الشيباني، ليتناسبا مع متطلّبات المرحلة، إنّما من اليوم الأول لبدء الثورة السورية، وبدء النشاط المسلح لـ«الإخوان المسلمين» و«القاعدة» في هذا البلد. فبريطانيا، مثلاً، تبنّت، منذ اللحظة الأولى، الثورة السورية، ووصفت الجهاديين بـ«المقاتلين من أجل الحرية»، بينما وصل الأمر بحكومة ديفيد كاميرون إلى الاستعداد لضرب سوريا بتهمة استخدام غاز «السارين» والأسلحة الكيميائية في منطقة الغوطة، مع أن الكاتب الأميركي الشهير، سيمور هيرش، كشف لاحقاً ما تعرفه الحكومة البريطانية عن مسؤولية الجماعات الجهادية عن ذلك الهجوم.
العودة إلى أرشيف الحكومة البريطانية، تكشف مدى تقلّب حكومات المملكة، وسذاجتها في التعامل مع ملفّ الجهاديين. ففي وثيقة جرى تسريبها أخيراً، تتضمّن نقاط الاجتماع المُعدّة لطوني بلير، لمناقشتها مع الرئيس جورج بوش، في زيارته إلى الولايات المتحدة، في نيسان 2004، تتبيّن الطلبات الأميركية - البريطانية المنتظرة من نظام الرئيس السوري في حينه، بشار الأسد؛ وعلى رأسها: إغلاق الحدود مع العراق، والتعاون الأمني مع الاحتلالَين البريطاني والأميركي «ضدّ العناصر الإرهابيين»، كما تقول الوثيقة، ووقف الأسد دعمه لِما تسميها واشنطن ولندن «فصائل الرفض» الفلسطينية واللبنانية، والانسحاب من لبنان، والتشديد على ضرورة وضع عقوبات على سوريا لإجبارها على تنفيذ هذه الأوامر خدمةً لإسرائيل.
لم تمضِ سنوات قليلة، حتى اعتبرت الحكومة البريطانية أولئك الذين قاتلها بعضهم في العراق، وبعضهم الآخر خرج من سجون الاحتلال لكي يقتل العراقيين بأجندة طائفية، طلاب حرية وعدالة ضدّ النظام السوري، فدعمتهم بشتى الوسائل. وقبل أشهر، كان الجهادي الشيباني ضيف بلير في مؤتمر «دافوس»، لقاء حفنة من المال دفعتها قطر، وفق ما كشفه المعارض السوري هيثم المناع، فيما لم يمانع الشيباني طبعاً الظهور مع مَن دمّر العراق.
من الإعلام والتغطية السياسية، إلى الدعم العسكري عبر غرفة «الموم» في تركيا و«الموك» في سوريا، التي ضمّت ضباطاً غربيين وأتراكاً وعرباً أداروا معارك الجماعات الجهادية ضد الجيش السوري (عبر الاستخبارات التركية في الشمال وتلك الأردنية في الجنوب)، لم يوفّر خصوم النظام السوري وسيلة في دعم هذه الجماعات، وصواريخ «تاو» الأميركية شاهدة على ذلك.
ومَن ينسى كيف شرح جايك سوليفان لهيلاري كلينتون، في رسالته الإلكترونية الشهيرة، أهمية تنظيم «القاعدة» في سوريا، كحليف للغرب والولايات المتحدة؟ تحت هذا الغطاء، نفّذت تركيا مخطّط تحويل سوريا إلى بؤرة تجمّع لكل إرهابيّي العالم، فانقسم هؤلاء ما بين «داعش» و«النصرة» وأخواتهما، وعاثوا قتلاً وتخريباً في سوريا والعراق ولبنان، ومن بينهم ما لا يقلّ عن 850 جهاديّاً بريطانيّاً، نفروا للقتال في سوريا من أصل 23500 لا يزالون يقيمون على الأراضي البريطانية أحصتهم الأجهزة الأمنية في عام 2017.
حتى إن الشرع، كان يحصل على تمويله الشهري البالغ 2 مليون دولار، عبر مكتب قناة تلفزيونية في تركيا، بينما كان مراسل القناة الأشهر في دعمه للإسلاميين، يستفيد من علاقاته مع «القاعدة» في أفغانستان وباكستان وليبيا، لكي يسهّل انتقال الإرهابيين الأجانب إلى بلاد الشام، مروراً بتركيا.
نجحت سياسة «وضع الأوساخ تحت السجادة» المُعتمدة في سوريا، بالسماح بارتكاب مذبحة أخرى
تاريخ حافلٌ من التآمر على الشعب السوري وتزييف الحقائق اشترك فيه كثيرون، من سياسيين ورجال دين وإعلاميين ودول ومؤسسات. لكنّ الجولة الثانية من جولات إزالة آثار الجريمة وتبييض سجلّ الشرع، بدأت في 2016 - 2017، عندما استشعر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، خطر ما اقترفته يداه في سوريا على أمن تركيا ووحدتها ونسيجها الاجتماعي. فطلب من الاستخبارات التركية، في حينه، ترتيب الأرضية في إدلب والشمال السوري لإعادة ما تيسّر من اللاجئين السوريين في تركيا، وتخفيف الاحتقان الداخلي ضدّ حزبه وحكمه، بعدما ارتزق طويلاً من هذا الملف على حساب ألمانيا وأوروبا.
فتح الأتراك الباب واسعاً أمام الشرع، رجلهم الأقوى بين الجهاديين، فبدأ البحث في صيغة أستانا مع روسيا وإيران، والانفتاح (بالوساطة) على حلف «الناتو»، عبر تقديم معلومات عن العناصر الذين يخطّطون لعمليات ضدّ دول الحلف ومواطنيه، لكي يستهدفهم التحالف الدولي بالضربات الجوية. كما تمّ الاشتغال على وصل الشرع بمؤسسات بحثية غربية، على رأسها «مجموعة الأزمات الدولية» الأميركية، ومنظمة «أتش دي» السويسرية.
وجد الشرع في المنظمات ضالّته والطريق ليتحوّل إلى «إرهابي كوول»، ووجد الباحثون، من مثل باتريك هاينة ودارين خليفة وزوجها نوح بوسناي، وآخرين، في العلاقة معه مهمّة «إكزوتيك» تُؤَمِّن لهم الدور والشهرة، واستمرار التمويل. وللعلم، فإن كل الزيارات التي قام بها باحثو المنظمتَين، رتّبتها الاستخبارات التركية التي كانت تنقل زوار الشرع بسياراتها إلى داخل الحدود السورية - التركية، ليتسلّمهم من هناك مندوبو الشرع وينقلوهم إلى مقرّه.
في تلك المرحلة، كان بعض الخجل لا يزال يحكم السياسة الأميركية والأوروبية، فذهبت محاولات الباحثين لعقد لقاءات للشرع والشيباني في إدلب أو تركيا مع دبلوماسيين وأمنيين أوروبيين سدًى، بينما كانت مواقف المسؤولين الأميركيين المعنيين بالملف السوري، تُراوِح بين الرفض وجواب: «فليشكرونا، إنّنا لا نقصفهم».
ومع أن مبالغات روبرت فورد والنمط الدعائي الذي يعتمده منذ نزوله إلى شوارع حماه دعماً للثورة السورية في تموز 2011 (يوم كانت المطالبة بالتدخّل الخارجي لإسقاط النظام مباحة عند منظّري الثورة) لا يُعتدّ بهما، إلّا أن ما بذله من جهود مع الدبلوماسي البريطاني جوناثان باول، مستشار الأمن القومي الحالي لرئيس الحكومة كير ستارمر، والرئيس السابق لمنظمة «انترميديت»، لتبييض صفحة الشرع، لا يستهان به.
طبعاً، النجاح ليس لناحية التغيير الذي لم يطرأ منه شيء حتى ولو كان شكليّاً على الشرع أو الشيباني (سوى بعض الملابس والمقتنيات الفاخرة)، اللذين اقتصرت لقاءاتهما مع فورد وباول على ثلاث أو أربع مرات منذ عام 2019 إلى ما قبل سقوط نظام الأسد؛ إنما النجاح في إقناع الحكومة ومن خلفها المؤسسة العسكرية البريطانية بالموافقة على رفع العقوبات عن المؤسسات العسكرية التابعة للشرع التي انتقل إليها الجهاديون من الفصائل، بعد مجزرة الساحل مباشرةً، ربما كمكافأة للجهاديين الذين نجحوا في ذبح العلويين ولم يتجرّأوا على طرد روسيا من قواعدها العسكرية. لكن لم يطل الأمر، حتى كانت قوات الشرع المسلحة تنفّذ مذبحتها التالية في السويداء.
أبرز مُعبّر عن مدى الدلال الذي يتمتّع به الشرع في العقل الغربي، هو التبريرات التي يسوقها حتى الآن مجتمع الباحثين دفاعاً عن الشرع ورفاقه، ولا سيما بعد مجازر الساحل، وحالياً بعد السويداء. فالباحث البريطاني، شارلز ليستر، مؤيّد للشرع و«جبهة النصرة» منذ عام 2014، ومؤيّد للضربات الإسرائيلية على سوريا أيّام النظام السابق، وقد تبنّى الدفاع عن حكم الشرع الحالي بشكل مطلق، وكرّر كل تبريرات قتل المدنيين في الساحل بحجّة أن «الحقّ على الفلول» وبعض الممارسات الفردية.
وفي أحداث السويداء الأخيرة، بدا ليستر في دفاعه المستميت عن الشرع بعد هجمات الاحتلال الإسرائيلي على دمشق، كالرجل الغربي الثاني الذي يفضّل تنظيم «القاعدة» على إسرائيل، بعد السفير الأميركي في تركيا توم برّاك. أمّا دارين خليفة، وبعدما استنزفت ذريعة الفلول في المذبحة السابقة، فلم تجد سوى ذريعة «استعادة الدولة سيطرتها على كل المناطق».
فما كان ممنوعاً على جيش الأسد الذي ضمّ بين صفوفه السوريين بمختلف طوائفهم وإثنياتهم حين شنّ حملات عسكرية لاستعادة مناطق سيطرت عليها المعارضة بالقوّة، صار مسموحاً للشرع الذي يقود جيشاً من الجهاديين والعشوائيين الذين يحملون السكاكين والبلطات وشفرات الحلاقة، من لون مذهبي واحد وخلفية دينية متطرّفة، لإخضاع المناطق التي تسكنها أقليات دينية فقدت شعورها بوجود الدولة الجامعة أمام السّعار الوهابي التكفيري الذي يفتك بالشعب السوري.
المساهمات عديدة في صناعة نسخة جديدة من الشرع، لكن تبقى تركيا هي العرّاب الأول والأقوى. فمدير الاستخبارات التركية الحالي، قال لمسؤول عراقي قبل أشهر، إن شعره شاب من كثرة التعب بعدما أغدق عليه المسؤول المديح لما فعلته الاستخبارات التركية لتحسين صورة الشرع وإسقاط دمشق.
أما اللوبي الجولاني في واشنطن، فهذا موضوع آخر. فالمعارضون السوريون الذين تسلّقوا أدراج واشنطن على ظهر السويداء في سنوات 2021 ـ 2024 لكي يسوّقوا وسطيّة الشرع، وحرّضوا قبل ذلك على وضع العقوبات على سوريا، ها هم اليوم يسوّقون أفعال تنظيم «القاعدة» داخل المؤسسات الأميركية، بالتآمر مع بعض نواب الكونغرس من عتاة العنصريين ضدّ الفلسطينيين والعرب. إلّا أن هذه الأفعال لا يبدو أنها ستدوم طويلاً، بعدما أحرج الشرع رعاته مجدّداً، وباتت المؤسسات الأمنية والعسكرية الأميركية تشاطر إسرائيل نظرتها إلى مستقبل الجماعات الجهادية في سوريا.
نجحت سياسة «وضع الأوساخ تحت السجادة» المعتمدة في سوريا، في السماح بارتكاب مذبحة أخرى، وإدخال البلد في أتون التقسيم والاحتلال الإسرائيلي. لكنّ الحساب أمام العالم على النتائج الكارثية التي ستنتج من تفلّت الإرهاب وتحوّله إلى دولة، مَن سيحمله؟ في المرة الماضية، تكبّد الأفغان والعراقيون والسوريون وثلاثة آلاف مواطن أميركي أثماناً هائلة عن جريمة لم يرتكبوها في 11 أيلول 2001. على مَن ستقع القرعة هذه المرّة في العالمَين العربي والإسلامي ليدفع الثمن، في حال ارتكب الحمقى المتطرّفون في سوريا جريمة مماثلة؟
