
بعد ساعاتٍ من إعلان وقوع اشتباكات بين الفصائل المحلّية الدرزية و«الأمن العام» السوري، اندلعت مواجهات عنيفة بين «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) وفصائل «الجيش الوطني» المدعومة من تركيا، والمنضوية حديثاً في صفوف الجيش السوري، ترافقت مع قصفٍ صاروخيّ استهدف مناطق سيطرة الطرفين في ريف حلب الشمالي الشرقي، قبل أن ينجح تدخّل الولايات المتحدة في منع تطوّر التصعيد إلى معركة واسعة. وتأتي الاشتباكات في ظلّ توتّر متصاعد منذ عدّة أيّام في منطقة دير حافر الخاضعة لسيطرة «قسد»، على خلفيّة اتهامات متبادلة تمحورت حول اختطاف «الجيش الوطني» عدداً من المواطنين الكرديين أثناء توجّههم إلى مدينة حلب، واعتقال «قسد» عدداً من عناصر «الجيش الوطني» بعد دخولهم، عن طريق الخطأ، إلى مناطق سيطرتها.
كما أنّ اقتراب «قسد» من مناطق سيطرة الجيش السوري، أثناء مدّة الإنزال الأميركي على مدينة الباب شمال محافظة حلب الذي استهدف خلايا من تنظيم «داعش» قبل عدة أيام، أثار غضب الفصائل، وأدّى إلى حالة من التوتّر وسط أجواء من الاستفزازات المتبادلة، تطوّرت إلى اشتباكات في يومَي السبت والأحد الماضيين. وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، أنّ قوات الجيش «صدّت عملية تسلّل قامت بها «قسد» على إحدى نقاط انتشار الجيش في ريف منبج، بالقرب من قرية الكيارية»، مشيرة إلى أنّ «وحدات من الجيش قامت بتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف مصادر النيران التي استخدمتها قوات «قسد» في قصف قرية الكيارية ومحيطها بريف منبج». وأشارت إلى أنّ «قسد قامت بشكل غير مسؤول، ولأسباب مجهولة، بتنفيذ ضربات صاروخية استهدفت منازل الأهالي في قرية الكيارية ومحيطها، وأسفر هذا الاعتداء عن إصابة 4 من عناصر الجيش و3 مدنيين بجروح متفاوتة»، مضيفة أنّ قوات الجيش «تمكّنت من رصد راجمة صواريخ ومدفع ميداني تم استخدامهما في الاعتداء في محيط مدينة مسكنة الواقعة شرق محافظة حلب».
وفي المقابل، أصدر المركز الإعلامي لـ«قسد» بياناً أعلن فيه أنّ «قواتنا استخدمت حقّها الكامل في الدفاع عن النفس والردّ على مصادر النيران»، نافياً أن تكون «قسد» هاجمت أيّ نقطة تفتيش تابعة للجيش السوري. واتّهمت فصائل «غير منضبطة» تعمل ضمن تشكيلات القوات الحكومية، بـ«مواصلة القيام بأعمال استفزازية واعتداءات متكرّرة على مناطق التّماس في دير حافر»، داعيةً إلى ضرورة «احترام التهدئة»، و«تحمّل الأجهزة المعنية في الحكومة السورية مسؤولياتها، وضبط الفصائل غير المنضبطة العاملة تحت سيطرتها».
واصل مظلوم عبدي إطلاق مواقف مرنة تجاه دمشق
ومع تجدّد الاشتباكات، أمس، أعلنت «قسد» أنّ «فصائل تابعة لقوات الحكومة الانتقالية السورية أقدمت فجراً على تنفيذ هجوم ضد أربعة مواقع عسكرية في قرية الإمام في منطقة دير حافر»، مبيّنةً أنّ قواتها «تعاملت مع الهجوم، وردّت عليه بما يلزم دفاعاً عن مواقعها ومقاتليها، حيث نشبت اشتباكات استمرّت 20 دقيقة متواصلة». وإذ اعتبرت «قسد» أنّ ما جرى هو «تصعيد مدبّر يهدّد الاستقرار في المنطقة»، فإنها حمّلت حكومة دمشق «المسؤولية الكاملة» عمّا وصفته بـ«الاعتداء المتكرّر»، مضيفة أنّ «قواتنا مستعدّة اليوم أكثر من أي وقت مضى لاستخدام حقّها في الردّ المشروع بكلّ قوة وحزم».
وبدا ما تقدّم مؤشّراً على وجود نوايا مبيتة لـ«قسد»، عبر اختلاق اشتباك بينها وبين القوات الحكومية، لخلق ذريعة للأخيرة من أجل شنّ هجوم واسع على مناطق سيطرة «قسد»، في محاولة لاستنساخ ما حصل في السويداء، وسط أحاديث حول إمكانية تلقّي القوات الحكومية «دعماً برّياً أو جوياً» من الأتراك. وفي هذا الإطار، يؤكّد مصدر ميداني، في حديثه إلى «الأخبار» أنّ «مثل هذا السيناريو وارد، وقد يكون اشتباك مع إحدى العشائر أو القبائل كافياً لإشعال شرارة الحرب»، مستدركاً بأنّ «الحلول الدبلوماسية بين الطرفين لا تزال مُتاحة، وخصوصاً مع اقتراب موعد مؤتمر باريس المتوقّع عقده قبل نهاية الشهر الجاري (بين ممثّلي «قسد» والحكومة الانتقالية)». ويرى المصدر أنّ «اندلاع معركة شاملة بين الطرفين قد يؤدّي إلى حالة عدم استقرار قد تمتد لسنوات، نظراً لما تمتلكه «قسد» من عتاد وعديد يتيحان لها خوض معركة استنزاف طويلة الأمد»، مرجّحاً، في الوقت نفسه، أن «تؤدّي واشنطن وباريس دوراً ضاغطاً لتطبيق اتفاق 10 آذار، وتثبيت مسار التهدئة، عبر قرارات مرتقبة في اجتماع باريس المقبل، تمنع الانزلاق نحو خيار عسكري».
وتعليقاً على الاشتباكات، أكّد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، أنّ «الدبلوماسية هي السبيل الأمثل لوقف العنف وبناء حلّ سلمي ودائم في سوريا»، مشيراً إلى «اندلاع أعمال عنف مقلقة في السويداء ومنبج بريف حلب». ودعا برّاك، في منشور عبر منصة «أكس»، جميع الأطراف في سوريا إلى «التمسّك بالهدوء، وحلّ الخلافات بالحوار بدلاً من العنف وسفك الدماء»، مشدّداً على أنّ «الطريق إلى المستقبل بيد السوريين». وأضاف أنّ بلاده «تفخر بالمساعدة في التوسّط لإيجاد حلّ في السويداء، والمشاركة مع فرنسا لإعادة دمج الشمال الشرقي من البلاد في سوريا موحّدة»، لافتاً إلى أنّ «سوريا تستحق الاستقرار، وأنّ السوريين يستحقّون السلام».
أمّا القائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي، فواصل إطلاق مواقف مرنة تجاه دمشق، عبر تكثيف التصريحات الإعلاميّة التي تؤكّد أنّ «الحوار» هو «النهج الوحيد» الذي تعمل عليه «قسد» لتسوية الخلافات مع الحكومة السورية. وأكّد عبدي أنّ «لقاء 9 تموز الماضي مع الحكومة كان بداية مرحلة جديدة بحضور فرنسا وأميركا»، لافتاً إلى أنه «تمّ الاتفاق على بعض القضايا، واتُخذت خطوات عملية بعد المحادثات مع الحكومة واللقاءات سوف تستمر». وأضاف أنّ «التحضيرات لذلك اللقاء لم تكن كافية للتوصل إلى نتيجة نهائية وناجحة»، مشيراً إلى أنّ «محور اللقاءات مواضيعه مختلفة وعملية، وتتعلّق أكثر بالجانب العسكري والمؤسسات، وهي خطوات يتعيّن على الطرفين اتخاذها». وإذ أقرّ عبدي بوجود ما سمّاه «حرب خاصة» تُشنّ ضد «قسد» عبر اتهامها بالسعي لتقسيم البلاد، وصف تلك الاتهامات بأنها «افتراءات»، معتبراً أنّ «قسد دافعت أكثر من أي طرف آخر عن البلاد ووحدة أراضيها». ولفت إلى أنه «في مناطقنا، تعيش جميع المكوّنات معاً: الكرد، العرب، السريان... الجميع. لدينا نموذج مصغّر من سوريا الغنيّة بالمكوّنات»، معتبراً أنّ «الاندماج يعني الشراكة بين جميع السوريين، وبين مكوّنات سوريا، وبين الإدارات الموجودة حالياً، وقواتنا ستنضمّ للجيش وستتوحّد المؤسسات وسنبني معاً دولة جديدة تكون سوريا الجديدة التي تخصّنا جميعاً».

