
كثّفت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) خلال الأيام الماضية من نشاطها الإعلامي، في محاولة لتهيئة الأجواء قبل الاجتماع المرتقب في باريس مع ممثّلي الإدارة السورية، المُتوقّع عقده بين منتصف الشهر الحالي ونهايته، بحضور فرنسي وأميركي، والمُنتظر أن يمثّل محطة أساسية في مسار التفاهمات بين الطرفين. وتتطلّع «قسد» إلى طرح رؤيتها لتطبيق اتفاق 10 آذار الموقّع بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي، والذي نصّ على اندماج الأخيرة و«الإدارة الذاتية» ضمن بنية الدولة السورية.
وعلى الرغم من وجود توجّه كردي إعلامي للبعث برسائل «حسن نية» إلى الإدارة الجديدة، فإن عمليات الترميم الجارية في الدوائر والمؤسسات والمنظمات الحكومية في محافظة الحسكة، والاستمرار في مشاريع تعبيد الطرقات والمشاريع الاستثمارية، وطرح أماكن عامة وسياحية للاستثمار... كلها مؤشرات لا توحي بأن «الإدارة الذاتية» تنوي تسليم المناطق الخاضعة لسيطرتها لدمشق. لا بل يبدو أنّ ثمّة اتجاهاً لترسيخ واقع إداري جديد في الحسكة، من خلال تحويل بعض المقرات الحكومية إلى مقرات لـ«الذاتية»، في مشهد يختلف عمّا قد تقبل به «قسد» في محافظتَي الرقة ودير الزور، حيث تترك الباب مفتوحاً أمام نقاش مستقبل هاتين المنطقتين مع الحكومة الانتقالية.
والواقع أن الأكراد يرون في الحسكة - إلى جانب مدينتَي عين العرب (كوباني) وعفرين - معقلاً رئيسياً لهم، باعتبارها مهد انطلاقة وجودهم السياسي والعسكري عام 2012، والتي شهدت الإعلان عن تشكيل «وحدات حماية الشعب» وتأسيس «الإدارة الذاتية» لاحقاً؛ كما أن الوجود الكردي في البلاد يتركّز في تلك المناطق، إلى جانب حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وحيَّي ركن الدين ووادي المشاريع في دمشق.
ولذا، تسعى «قسد» للحفاظ على وجودها العسكري، إلى جانب وجود «الأسايش»، في محافظة الحسكة ومدينة عين العرب في ريف حلب، مع محاولة خلق واقع مغاير في عفرين، مقابل إمكانية التفاوض على مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الأكراد في شمال البلاد وشرقها، شرط الحفاظ على مؤسسات «الإدارة الذاتية» والعمل على دمجها تدريجياً في مؤسسات الدولة، بما يشمل المنظّمات الشعبية والنقابات المهنية.
تبدو مدينتا الرقة والطبقة أكثر قابلية لبلورة تفاهمات تتيح تسليمهما بالكامل لدمشق
وبالنسبة إلى «قسد»، تبدو مدينتا الرقة والطبقة أكثر قابلية لبلورة تفاهمات تتيح تسليمهما بالكامل لدمشق، أو على الأقل الاتفاق على إدارة مشتركة لهما، مع إمكانية تطبيق ذلك أيضاً في مناطق ريف دير الزور، شرط مراعاة خصوصية الحقول النفطية هناك، والبحث عن آلية تشاركية لإدارتها. أيضاً، قد تطالب «قسد» بتشكيل جهاز أمن عام من أهالي مدن عفرين في ريف حلب ورأس العين وتل أبيض في ريفَي الحسكة والرقة - والخاضعة حالياً لفصائل «الجيش الوطني» -، بغرض تمكين سكانها من العودة، وإنهاء سنوات التهجير القسري المستمرة منذ نحو ثماني سنوات.
وكشفت عن تلك الرؤية تصريحات عديدة لقادة كرد كرّروا مطالبهم بلامركزية إدارية تتيح لكل منطقة إدارة شؤونها خدمياً وأمنياً، مع ارتباطها بالمركز في قضايا الدفاع الوطني عن حدود البلاد عند تعرّضها لأي خطر خارجي. وحدّد القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، في تصريحات إعلامية، خطوطاً عامّة للمفاوضات مع دمشق، في محاولة لرمي الكرة في ملعب الأخيرة، ودفع الدول الضامنة لاجتماع باريس إلى الضغط على الجانب الحكومي للتخلّي عن نهج اللون الواحد، والاقتناع بالنهج التشاركي.
وأكّد عبدي أن «الاندماج يعني الشراكة بين جميع السوريين وبين مكوّنات سوريا، وبين الإدارات الموجودة حالياً»، مشيراً إلى أنّ أهالي دير الزور والرقة «يريدون الاندماج، لكنّهم يرغبون في المحافظة على مؤسساتهم، وأن تدار من قبلهم».
وكشف عبدي أن تأجيل الاجتماع السابق جاء لـ«أسباب تتعلّق بوفد الحكومة الانتقالية»، لافتاً إلى أن «مبعوثَي فرنسا وأميركا اعتذرا عن تأجيل الاجتماع، وأشادا باستعداد وفدنا». وأكّد أنّ «الاستعدادات لاجتماع جديد في باريس قائمة ونحن مستعدّون»، وأن «الاجتماع تمّ تحديد موعده، وهو قريب»، لكنّه رفض الإفصاح عن موعد عقده بالضبط. وبحسب عبدي، ستتناول مباحثات باريس ملفات القضايا الإدارية المرتبطة بشمال شرق سوريا، من الحدود والمعابر والنفط، وصولاً إلى اندماج «قسد»، وكيفية مشاركتها في الحكومة واللجنة التحضيرية للبرلمان وأعمال صياغة الدستور، إضافة إلى ملفات التعليم والاعتراف الرسمي بالشهادات الدراسية.
وأكّد عبدي، في الوقت نفسه، أن هناك «قنوات حوار مفتوحة مع تركيا»، مضيفاً: «(إننا) نعمل على أن يكون وقف إطلاق النار مستداماً، ونريد أن نحل هذه المعضلة بشكل جذري، ولا نريد أي حرب مع تركيا». وإذ شدّد على الاستعداد «لاتخاذ خطوات أخرى تجاه تركيا، من شأنها بناء الثقة»، فهو أشار إلى أن «هناك مناطق محتلة ولكي يعود شعبنا إلى عفرين ورأس العين وتل أبيض وغيرها، يجب حل هذه القضايا أيضاً؛ فهذه المسائل المشتركة نعمل على معالجتها بشكل جذري وشامل».
كذلك، كشف أن الموقف الأميركي تطوّر نحو «تنسيق» مع الحكومة السورية في محاربة تنظيم «داعش»، إلى جانب «استمرار عملها مع قواتنا». وفي هذا السياق، يؤكّد مصدر كردي، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «قسد» ترى أن عناصرها، بمن في ذلك «الأسايش»، «مؤهلون للاندماج في وزارتَي الداخلية والدفاع، بما يضمن أمن المنطقة، في حين تعود القوات الحكومية إلى الحدود والمعابر والمطارات باعتبار هذه الأخيرة ملفات سيادية».
ويلفت المصدر إلى أنّ رؤية «قسد» المطروحة تتضمّن «إعادة تفعيل جميع المؤسسات الحكومية، بما في ذلك دوائر الأحوال المدنية والهجرة والجوازات، مع السعي لتمثيل كردي وازن في مجلس الشعب والحكومة، بصورة تضمن حالة تشاركية مع بقية مكوّنات الشعب من مسيحيين ودروز وعلويين وتركمان وإيزيديين، وكل مكوّنات المجتمع السوري». ويتحدّث أيضاً عن «وجود توجّه لإنهاء ملف النفط، بصورة تضمن إدارته من قِبل الدولة، مع هامش واضح لتنمية مناطق منابع النفط والغاز في دير الزور والحسكة»، نافياً «وجود أي نوايا لطرح الفدرالية، مع التركيز على اللامركزية الإدارية كنموذج إداري مناسب لواقع البلاد، بما يمنع تفكّكها».

