
لم تمضِ سوى ساعات على انعقاد «كونفرانس وحدة المكوّنات في شمال شرق سوريا»، الذي نظّمته «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الحسكة، حتى شنّت الحكومة السورية الانتقالية هجوماً إعلامياً عليه، واصفةً إيّاه بأنه محاولة «إحياء لنظام الأسد». واعتبرت شخصيات قيادية في الحكومة أن المؤتمر لم يتعدَّ كونه «ملتقى للفلول»، في ردّ مباشر على مشاركة الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، غزال غزال، فيه بكلمات مصوّرة.
كما رأت الحكومة في المؤتمر فرصة للإعلان عن إلغاء مشاركتها في اجتماع باريس المقرّر ضمن جلسات التفاوض مع «قسد»، لافتة إلى أنها لم تكن مقتنعة منذ البداية بانعقاد الاجتماع في فرنسا؛ إذ كانت قد أجّلت موعده قبل أسبوعين، معتبرةً أن دمشق هي المكان الأنسب لمثل هذه المؤتمرات، نظراً إلى أن طرفيها سوريّان. وبالتزامن، بثّت وسائل إعلام سورية مقاطع مصوّرة تُظهر تحرك أرتال عسكرية لتنفيذ ما سمّته إعادة انتشار في محيط سد تشرين في ريفَي حلب الشمالي والشرقي، على خطوط التماس، في مشهد أوحى باحتمالية التوجّه نحو خيارات عسكرية، قبل أن تصدر توضيحات بأن ما جرى مجرّد تدريبات فحسب.
كذلك، دعا مصدر حكومي، في تصريح إلى وكالة «سانا»، «قسد» إلى «الانخراط الجادّ في تنفيذ اتفاق 10 آذار»، وحثّ الوسطاء الدوليين على نقل المفاوضات إلى دمشق باعتبارها «العنوان الشرعي والوطني للحوار بين السوريين». وحول مؤتمر الحسكة، قال المصدر نفسه إن الأخير «يمثل تهرّباً من تنفيذ استحقاقات وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات، واستمراراً في خرق اتفاق 10 آذار»، عادّاً إياه «غطاء لسياسات التغيير الديموغرافي الممنهج ضد العرب السوريين، والتي تنفّذها تيارات كردية متطرفة تتلقّى تعليماتها من (جبال) قنديل في كردستان العراق».
واعتبر أن المؤتمر «يستعيد نهج المؤتمرات التي سعت لتقسيم سوريا قبل الاستقلال»، واصفاً إيّاه بأنه «تحالف هشّ يضم أطرافاً متضرّرة من انتصار الشعب السوري وسقوط عهد النظام البائد». وشدّد على أن «شكل الدولة لا يُحسم عبر تفاهمات فئوية، بل عبر دستور دائم يُقرّ بالاستفتاء الشعبي، لا بالتهديد أو القوة المسلحة».
يرجّح مصدر كردي أن يكون البيان الحكومي قد جاء إثر ضغوط تركية
وبعد ساعات من إصدار البيان، حاولت الحكومة البعث برسائل إلى «قسد» تُبدي فيها استعدادها لتقديم تنازلات محدودة مقابل المضي في تنفيذ اتفاق 10 آذار بالكامل، وإنهاء أي احتمالات لمواجهات عسكرية مستقبلية بين الطرفين. ونقلت قناة «الحدث» عن الخارجية السورية قولها إن «الحكومة تؤمن باللامركزية الإدارية وترفض اللامركزية السياسية»، وإن «قسد تمنح الهجري وغيره منصة، فيما هم لا يمثلون المكوّنات التي يتحدّثون عنها». كما كرّرت أن «الحكومة ترى أن الحوار يجب أن يكون سورياً - سورياً».
في المقابل، سارعت مسؤولة اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحسكة، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد، إلى الرد عبر تصريحات إعلامية، أكّدت فيها «التزام الإدارة الذاتية بوحدة سوريا وسلامة أراضيها، ورفضها رفضاً قاطعاً أي مشاريع تقسيم»، مجدّدةً «الالتزام باتفاقية 10 آذار والعمل على تنفيذها عبر اندماج حقيقي وشراكة في إطار الدولة السورية». وأبدت استعداد «الذاتية» لاستكمال المباحثات في اجتماع باريس المقبل، معتبرة أن «الحوار والتوافق هما السبيل الوحيد لبناء مستقبل مزدهر لكل السوريين»، في إشارة إلى تمسّك «الذاتية» بانعقاد الاجتماع قبل نهاية الشهر الجاري.
ويرجّح مصدر كردي، بدوره، أن يكون «البيان الحكومي قد جاء بضغوط تركية، خاصة أنه أعقب زيارة وزير الخارجية التركي حاقان فيدان لدمشق، وتسريبات إعلامية تركية عن احتمال إلغاء مشاركة الأخيرة في اجتماع باريس»، معتبراً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «حجم الأخطاء التي ترتكبها الحكومة الانتقالية يفاقم الضغوط الدولية عليها، ولذلك لا تريد انعقاد الاجتماع لأنه سيكشف كل الأوراق».
ويدعو المصدر «الحكومة إلى الخروج من الدائرة الضيقة التي وضعت نفسها فيها، والانفتاح على جميع المكوّنات السورية ومشاركتها في بناء سوريا الجديدة»، مشيراً إلى أن «الحوار هو المسار الأسلم لإنهاء الخلافات وبناء سوريا خالية من الصراعات». كما يتوقّع أن «تؤدي الضغوط التركية إلى دفع دمشق نحو إلغاء اتفاق 10 آذار، الذي يتعارض مع المصالح التركية»، مطالباً الحكومة بـ«تجنّب أخطاء النظام السابق وعدم وضع نفسها تحت وصاية دول الجوار، بعيداً عن القرارات الوطنية المستقلة».

