ديون سوريا الخارجية: ملف ثقيل إضافي على طاولة الشرع
تتحوّل ديون سوريا الخارجية إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل، فيما تبقى إيران الدائن الأكبر، ما يفرض على دمشق مواجهة ملفّ معقّد يربط الدين بمستقبل العلاقة بين البلدين.


لن يمضي وقت طويل، حتى تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها «مرغمةً» على مناقشة ملفّ الديون الخارجية للبلاد، والتي زاد حجمها بشكل لافت خلال سنوات الحرب. على أن حساسيّة هذا الملفّ لا تتّصل فحسب بثقل حجمه - تشير التقديرات إلى أن الديون زادت بنسبة تراوح ما بين 400% و500% -، وإنّما أيضاً بتركيبة الدول والجهات الدائنة، وعلى رأسها إيران التي لا يزال مستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية معها غامضاً.
وظلّ الحديث عن الديون الخارجية لسوريا، حتى حزيران الماضي، أقرب إلى التحليلات والتسريبات المشكوك في دقّة بياناتها وأرقامها، خاصة أن النظام السابق فضّل عدم البوح بحقيقة تلك الديون وآليات سدادها، في حين تحدثت تصريحات لمسؤولين إيرانيين صدرت سابقاً عن أن إجمالي الأموال الإيرانية المستحَقة على سوريا وصل إلى حوالى 50 مليار دولار.
من الأقلّ مديونية
على مشارف عام 2011، كانت سوريا تُصنّف من بين الدول الأقلّ مديونية خارجية على المستويين العربي والعالمي، وذلك بعدما توصّلت مع روسيا، في عام 2005، إلى تسوية شاملة، تم بموجبها شطب الجزء الأكبر من ديون الاتحاد السوفياتي السابق المترتبة على دمشق.
وبحسب بيانات «صندوق النقد العربي»، فإن إجمالي الدين العام الخارجي لسوريا بلغ، في عام 2011، حوالى 4.2 مليارات دولار، متراجعاً بذلك عن الرقم المسجلّ في عام 2007، والبالغ نحو 5.7 مليارات دولار. وبهذا، تكون نسبة إجمالي الدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي، حوالى 7.2% عام 2011، وهي النسبة الأقلّ المسجّلة عربيّاً بعد الجزائر، التي لم تتجاوز مديونيتها الـ2.2%.
وبعد دخول البلاد في أزمتها عام 2011، والتي تحوّلت إلى حرب مدمّرة، أخذ الدين العام الخارجي للبلاد يرتفع، متأثّراً بعدّة عوامل، أبرزها: العقوبات الغربية التي أسهمت في تجفيف إيرادات البلاد من القطع الأجنبي، خروج حقول النفط والقمح باكراً عن سيطرة الحكومة آنذاك واضطرار الأخيرة إلى استيراد احتياجاتها من المشتقات النفطية والقمح وغير ذلك من السلع الضرورية، فضلاً عن زيادة الإنفاق العسكري مع تعدّد جبهات القتال على امتداد الجغرافيا الوطنية.
ونتيجة للعقوبات الغربية، اتّجهت حكومة دمشق، آنذاك، نحو حليفتها الإستراتيجية، طهران، التي منحتها عدّة خطوط ائتمانية موزّعة على سنوات عدة، أتاحت لسوريا استيراد احتياجاتها النفطية والغذائية والفنية من إيران؛ والأمر نفسه فعلته روسيا، وإنْ بشكل محدود. ويرجّح اقتصاديون أن جزءاً ليس بالقليل من الدين الإيراني خُصّص أيضاً لتوفير تجهيزات عسكرية للجانب السوري، إذ إن ما هو معلن من خطوط ائتمانية لا تتجاوز قيمته التقديرية 5 إلى 6 مليارات دولار.
الديون الإيرانية تشكل الجزء الأكبر أو ما يزيد تقريباً على 80%
في تقريره الأخير الصادر في حزيران الماضي، والمستند إلى قاعدة بيانات مصرف سوريا المركزي - والتي وُضعت في خدمة خبرائه - يسلّط «البنك الدولي»، وإنْ بشكل موجز، الضوء على الدين العام الخارجي لسوريا، والذي «ارتفع بشكل ملحوظ منذ بداية الصراع. فقبل عام 2011، كان هذا الدين ثنائياً في المقام الأول، وبلغ إجماليه حوالى 5 مليارات دولار؛ إلا أنه بسبب العقوبات، لم يتم تسجيل أيّ عمليات تسديد أو إقراض إضافية من دائنين تقليديين منذ العام المذكور، وهو ما أدى إلى ثبات رصيد الدين الخارجي لسوريا.
ومع ذلك، جرى الحديث، منذ عام 2011، عن أن الدين الخارجي من إيران وروسيا قد زاد بشكل كبير، وهو ما لا تعكسه أرقام إحصاءات الديون الدولية. واعتباراً من نهاية عام 2024، أظهرت بيانات البنك المركزي أن الدين الخارجي المستحقّ على البلاد، بما في ذلك المتأخرات، بلغ 22.3 مليار دولار (104% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024)».
ويضيف التقرير أنه «تترتّب على سوريا متأخرات كبيرة، ووفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغ إجمالي المتأخرات الخارجية 20.9 مليار دولار (98% من ناتج عام 2024). ومن الجدير ذكره، أن إجمالي متأخرات سوريا لإيران كبير، إذ يبلغ حوالى 17 مليار دولار، تمثّل 81% من إجمالي المتأخرات. وتشير بيانات البنك المركزي السوري إلى أن سوريا مدينة لروسيا بمبلغ 1.2 مليار دولار. ولكن لا توجد متأخرات مسجّلة لروسيا حالياً».
ديون إيران
بناءً على ما سبق، فإن الديون الإيرانية تمثل الجزء الأكبر أو ما يزيد تقريباً على 80% من إجمالي الديون الخارجية لسوريا. وبالتالي، إن أيّ توجّه سوري لمعالجة هذا الملف، يُفترض أن يقود إلى فتح قنوات اتصال بين دمشق وطهران؛ فالديون الخارجية هي واجبة الأداء قانونياً، سواء بقيت الأنظمة والحكومات أو تغيّرت. ووفقاً لما يتوقّع بعض المراقبين، فإن هناك سيناريوَين أمام الحكومة الانتقالية: الأول، فتح قنوات تواصل مع إيران عاجلاً أم آجلاً لإيجاد تسوية مقبولة من قِبَل البلدين، قد تكون مدخلاً لحدوث تطبيع ما في العلاقات السياسية بينهما.
وهذا غالباً هو السيناريو المرجّح، وإنْ كان يحتاج إلى بعض الوقت ومساعدة بعض الدول الصديقة للطرفين كتركيا أو قطر مثلاً. كما ثمة خيارات كثيرة يمكن العمل عليها كإعادة جدولة الدين أو إقامة استثمارات مشتركة جديدة ومراجعة الاستثمارات التي كانت قائمة في عهد النظام السابق، وغير ذلك.
أمّا السيناريو الثاني، فيتمثّل بإمكانية لجوء أحد البلدَين إلى المحاكم الدولية، وهو ما سيعني انسداد أفق الحلّ السياسي لهذا الملف، وتأخّر الطرفين في تطبيع علاقاتهما وتجاوز إرث السنوات الماضية. وفي حال سلوك هذا الخيار، ستعتمد طهران على قانونية الاتفاقات الموقّعة مع حكومة معترف بها دولياً وأمميّاً، في حين أن دمشق ستحاول ربط الملفّ بتدخّل إيران عسكريّاً في الحرب السورية وتحميلها مسؤولية تبعات ذلك التدخل. على أنه لا يعتقد حالياً، في ضوء التصريحات السياسية الصادرة عن الطرفين، أن أياً منهما يتّجه إلى تفعيل الخيار المذكور، قريباً.
