
في محاولة جديدة لاستعادة الدور الأممي في سوريا، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة حول سوريا، ألقى خلالها المبعوث الخاص إلى هذا البلد، غير بيدرسن، كلمة حذّر فيها من مخاطر الانتهاكات التي ارتُكبت بحقّ الأقليات في الساحل في السويداء، ومن خطر المقاتلين الأجانب، في وقت نشر فيه موقع الأمم المتحدة تقريراً خاصاً حول مجازر السويداء. ويمكن عدّ الجلسة الأممية التي سادها الهدوء وشهدت توافقاً في الخطوط العريضة بين روسيا والولايات المتحدة، غير مسبوقة في أروقة المجلس؛ علماً أنها دارت في معظمها حول التطوّرات الأخيرة في الجنوب السوري، والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب الأزمة الإنسانية، وتعثّر العملية السياسية.
واستغلّ بيدرسن، الذي حاولت الولايات المتحدة تهميش دوره خلال الشهور الماضية - بعد تعيين مبعوث خاص لها إلى سوريا (السفير الأميركي في أنقرة توماس برّاك)، والذي لعب دوراً أقرب إلى المندوب السامي -، الجلسة وما سبقها من بيان رئاسي أصدره المجلس الأسبوع الماضي ودعا إلى الالتزام بالقرار 2254 حول سوريا، الذي يفرض مراقبة أممية على العملية الانتقالية في سوريا، لتقديم تقرير يمكن عدّه ذا سقف مرتفع إلى حدٍّ ما، إذ حذّر من مخاطر المقاتلين الأجانب، الذين سمحت واشنطن بضمّ قسم منهم إلى الجيش السوري الناشئ، واعتبرهم «خطراً جسيماً».
كما دعا إلى «اتّباع برنامج لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح في سوريا»، و«ضمان حماية الأقليات»، بالإضافة إلى «الوصول إلى دستور يعبّر عن إرادة الشعب خلال المرحلة الانتقالية»، محذّراً، في الوقت نفسه، من «مخاطر الانفجار على الرغم الهدوء الظاهر».
وركّز المبعوث الأممي، في كلمته، على الأحداث الأخيرة في السويداء، مؤكّداً رفضه للانتهاكات الإسرائيلية، وداعياً إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات أياً كانت علاقتهم بالسلطات الانتقالية، وإلى اتخاذ التدابير اللازمة لمحاربة الإرهاب، بالإضافة إلى توفير السبل الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية.
وبالتوازي مع ذلك، كشف الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، عن نقص كبير في التمويل، في ظل عدم الوصول إلى نحو 14 في المئة من التعهّدات الدولية لدعم سوريا، محذّراً من أن هذا النقص من شأنه أن يقوّض قدرة المنظمة على العمل، وخصوصاً في ما يتعلّق بالمساعدات العاجلة وتوفير مياه الشرب، وإغاثة مناطق عديدة في سوريا، من بينها السويداء، التي لا تزال الطرق إليها غير آمنة، وفق تعبيره.
ثمّة توقعات بشطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب قبل منتصف أيلول المقبل
من جهتها، عبّرت مندوبة الولايات المتحدة، دوروثي شيا، عن قلق واشنطن من أعمال العنف الأخيرة في السويداء، وأشادت بدور بلادها في دعم التقارب بين دمشق وتل أبيب، ورحّبت بتشكيل لجنة تحقيق خاصة. أما ممثل روسيا في المجلس، ديمتري بوليانسكي، فحذّر، بدوره، من التهديدات المستمرة التي تعانيها الأقليات، داعياً إلى إجراء إصلاحات جوهرية في هكيلية قوات إنفاذ القانون، بما فيها عدم تهميش الأفراد والعسكريين الذين خدموا في سوريا قبل كانون الأول الماضي (في إشارة إلى عناصر الجيش وأفراد قوى الأمن في النظام السابق، والذين جرى تهميشهم وتعريض بعضهم للسجن والملاحقة والقتل)، معتبراً أن هذا الإجراء من شأنه أن يمنع الأعمال الانتقامية. كما دعا إلى إشراك «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، ودمج الأكراد في الدولة.
في غضون ذلك، حذّر خبراء الأمم المتحدة من تصاعد الهجمات المسلّحة ضد المجتمعات الدرزية في محافظة السويداء ومحيطها منذ 13 تموز 2025، والتي أسفرت عن مقتل نحو ألف شخص بينهم 539 مدنياً درزياً، منهم نساء وأطفال، وحرق أكثر من 33 قرية، في حين سُجّل اختطاف ما لا يقل عن 105 نساء، ما زالت 80 منهن في عداد المفقودين، وأُعدم 196 شخصاً ميدانياً. واعتبر الخبراء أن الانتهاكات – التي شملت مجازر وعمليات نهب وحوادث اغتصاب وعنفٍ جنسي وحالات إخفاء قسري – تشير إلى حملة ممنهجة ضد الدروز، وسط تقارير عن تورط قوات تابعة للسلطات السورية المؤقتة وتواطئها في الهجمات.
ولفت هؤلاء إلى أن 192 ألف نازح داخلي في السويداء ودرعا وحمص يعيشون في ظروف إنسانية قاسية مع انقطاع الخدمات الأساسية، ودعوا إلى إجراء تحقيقات مستقلّة ومحاسبة المسؤولين، وحماية الأقليات ووقف التحريض على العنف، وتأمين عودة آمنة للنازحين.
وبينما اقتصر اجتماع المجلس على الاطّلاع على التطورات الأخيرة، من دون اتخاذ أي إجراء فعلي، تفتح هذه النقاشات الباب على مصراعيه أمام المنظمة الأممية للعب دور أوسع في العملية الانتقالية في سوريا، خصوصاً مع تأكيد المجلس الالتزام بالقرار 2254، والذي يرسم ملامح المرحلة الانتقالية بشكل واضح. ويأتي هذا بالرغم من العقبات التي ما زالت تواجه القرار المُشار إليه، ومن بينها تصنيف «هيئة تحرير الشام»، التي تقود سوريا حالياً، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ضمن قوائم الإرهاب.
على أنّ ثمّة توقعات بشطب اسم الشرع من القائمة قبل منتصف أيلول المقبل، بشكل يسمح له بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما تدعمه الإدارة الأميركية، التي ترغب في استثمار تلك الخطوة لتوقيع اتفاقية أمنية بين السلطات الانتقالية في سوريا وإسرائيل، يمكن أن تفتح لاحقاً باب التطبيع الكامل بين الجانبين.

