
عقد وفد «الإدارة الذاتية» المفاوض، في أثناء الأيام الماضية، سلسلة لقاءات مع شرائح مختلفة من أبناء شمال سوريا وشرقها، في الحسكة والرقة والطبقة، وذلك لشرح آخر تطورات اتفاق 10 آذار الموقّع بين الرئيس السوري في المدّة الانتقالية أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي. ووضعت «الذاتية»، عبر هذه اللقاءات التي نظّمتها مع مكتب العلاقات العامة لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أنصارها، أمام صورة ما جرى في الجولات الخمس السابقة من التفاوض مع دمشق، وأبرز العراقيل التي تحول دون تطبيق الاتفاق بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على توقيعه، بالإضافة إلى غاية «قسد» من المضيّ في تطبيقه.
وفي هذا السياق، شدّدت رئيسة الوفد المفاوض، فوزة يوسف، في أثناء جلسة نقاش عقدت في الحسكة، على أنّ «اللامركزية»، ووجود «قسد» ضمن الجيش السوري، هما «قضايا أساسية وغير قابلة للنقاش»، مؤكّدة أنّ «مسار الحوار مع الحكومة السورية مستمرّ رغم بعض الخلافات».
وكشفت يوسف أنّ الاجتماعات السابقة تناولت ملفات «عودة المهجّرين والأمن والاقتصاد وآليات دمج المؤسسات»، مشيرة إلى أنّ الاجتماعات استهلّت بـ«ملفات سهلة لتعزيز الثقة»، مثل اتفاقية حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وتنظيم الامتحانات، وتشكيل لجان للملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. وأكّدت «أننا نرفض حلّ مؤسسات الإدارة الذاتية أو تسليمها بالكامل، ونصرّ على دمجها بطريقة ديمقراطية»، مشدّدة على أنّ «قسد يجب أن تبقى جزءاً من الجيش السوري بصيغة متّفق عليها، من دون جلب تشكيلات عسكرية جديدة من خارج المنطقة».
وتعكس هذه التصريحات وجهة نظر «الذاتية» التي تصرّ على التمسّك بـ«قسد» ككتلة عسكرية واحدة في الجيش، مع عدم معارضة تبعيّتها لوزارة الدفاع، والحفاظ على مؤسسات «الذاتية» ودمجها بالوزارات الحكومية، والإصرار على «اللامركزية» كنموذج لإدارة البلاد. وفي المقابل، تواصل الحكومة الانتقالية مماطلتها - بدعم تركي - في عقد جولات جديدة من المفاوضات في دمشق أو القامشلي أو الرقة، بعدما أبلغت رسمياً ضامني اتفاق 10 آذار (الأميركيين والفرنسيين) رفضها المشاركة في اجتماعات باريس.
ويأتي تعطيل مسار المفاوضات في محاولة للضغط على «قسد»، وضامني الاتفاق، لدفع الأكراد إلى تقديم تنازلات، رغم الزيارة التي أجرتها مسؤولة العلاقات الخارجية في «الذاتية»، إلهام أحمد، قبل أسبوعين، إلى دمشق، حيث تمّ الاتفاق على عقد جولات جديدة - من دون أن يتحدّد مكان أو زمان انعقادها -، ورفض الانجرار إلى التصعيد العسكري، وذلك بعد مرور نحو شهرين على جولة المفاوضات الأخيرة التي حضرها وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني وعبدي.
ثمّة تناقض في تفسير بنود الاتفاق الذي جرى توقيعه على عجل بضغط أميركي - تركي
وفي هذا الإطار، أكّد عضو وفد «الذاتية» المفاوض، سنحاريب برصوم، أنّ المفاوضات «متوقّفة حالياً، بعد رفض دمشق عقد الجولة التي كانت مقرّرة في باريس»، نافياً، في تصريحات إعلامية، تحديد موعد جديد، موضحاً أنّ وفده «في انتظار ردّ رسمي من دمشق بشأن تحديد مكان وزمان استئناف المفاوضات». لكنه أشار إلى أنّ «دمشق تعمل على حلّ جميع مؤسسات الإدارة الذاتية»، وذلك بموجب تفسيرها لبند الدمج في الاتفاق، بينما لدى «الذاتية» «مفهوم آخر للدمج، عبر ربط المؤسسات الموجودة في شمال شرق سوريا بنظيرتها في دمشق، دون حلّها». وبرأي برصوم، فإنّ إلغاء اجتماعَي باريس الأخيرين «أعطى انطباعاً للعواصم الضامنة بأنّ دمشق هي من تعرقل المفاوضات».
ويكشف ما تقدّم حجم التناقض بين الطرفين في تفسير بنود اتفاق 10 آذار، والذي جرى توقيعه على عجل بناءً على رغبة الطرفين الأميركي والتركي، لتطفو الخلافات لاحقاً على السطح مع بدء محاولات إدخاله حيّز التطبيق. كما أنّ أثر الدور التركي ليس خافياً في هذا الإطار؛ إذ تضغط أنقرة على دمشق لعدم تقديم أي تنازلات جوهرية، وتدفعها إلى رفض عقد جولة مفاوضات في باريس - وهو ما أدّى إلى تعطيل المفاوضات منذ شهر على الأقل -، توازياً مع التلويح بعملية عسكرية ضدّ «قسد»، لا تزال حكومة الشرع تتهيّبها في ظلّ الضغوط الكبيرة التي تعانيها في ملفّي السويداء والساحل.
ويبدو أنّ تلك الحكومة استعاضت في الوقت الحالي عن فكرة شنّ عملية واسعة ضدّ «قسد»، بمناوشات محدودة معها، على غرار ما حصل في دير حافر ودير الزور والرقة، في رسالة بأنّ اتفاق 10 آذار مهدّد بالانهيار في أيّ لحظة، وبالتالي أنّ إمكانية إنهاء المفاوضات والتوجّه نحو الحلول العسكرية، واردة.
وفي هذا السياق، يؤكّد مصدر كردي، في حديثه إلى «الأخبار»، أنّ «باريس كانت قد قامت بتحضيرات عديدة لإنجاح جولة المفاوضات مع دمشق، وطلبت من كلا الطرفين التحضير الجيّد للجلسة للخروج بنتائج كانت ستكون نقلة نوعية في اتفاق 10 آذار». ويضيف أنّ «باريس ضغطت على دمشق في أثناء الاجتماع الثلاثي بين وزيرَي الخارجية السوري والفرنسي والمبعوث الأميركي، للموافقة على عقد الجولة»، مرجّحاً أنّ الضغوط التركية هي السبب المباشر لتعطيل المفاوضات.
ويؤكّد المصدر، في الوقت نفسه، أنّ «الإدارة الذاتية متمسّكة بالمسار السياسي، ومستعدّة لخوض نقاشات واسعة للتوصّل إلى نقاط التقاء يمكن البناء عليها»، مشدّداً على أنّ «الاعتراف باللغة الكردية ومنح بعض الحقوق الثقافية للكرد وبقيّة المكوّنات، هو حقّ وليس منحة للتفاوض في سوريا الجديدة»، وأنّ «ما تطمح إليه الإدارة الذاتية هو أن تكون شريكة أساسية في بناء سوريا ديمقراطية تعدّدية لا مركزية لكل أبنائها».

