ثلاثة ملايين سوري مهدَّدون بالجوع: «اللبرلة» أولاً... ثمّ الفقراء!
رفعُ سعر الخبز وإلغاء الدعم النفطي يفاقمان الجوع في سوريا، حيث يواجه ثلاثة ملايين إنسان تهديداً مباشراً بانعدام الأمن الغذائي والحرمان.


تمثّل أول القرارات الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال عقب سيطرة الفصائل المسلحة على دمشق، في رفع سعر ربطة الخبز المدعوم بنسبة 900%، وتحرير أسعار جميع المشتقات النفطية بشكل كامل، أي إلغاء أحد أهمّ بنود الدعم الاجتماعي الحكومي المستمرّ منذ ما يزيد على خمسة عقود. ووفقاً للبيانات الأممية اليوم، فإن أزمة غذاء تهدّد ثلاثة ملايين مواطن سوري بالجوع الشديد في ظلّ انخفاض إنتاج البلاد من القمح، فيما يعاني أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 25.6 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي حالياً.
وفي مؤشر واضح إلى توجّه الإدارة الجديدة نحو «اللبرَلة» وتالياً إلغاء جميع أشكال الدعم، يكشف خبير متعاقد مع إحدى المنظّمات الأممية العاملة في سوريا أن حكومة تصريف الأعمال السابقة، طلبت، في بداية العام الجاري، المساعدة في إجراء دراسة لكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد (بالدولار)، بغية اعتمادها في احتساب فواتير الاستهلاك، إلّا أن فشل تلك الحكومة في تحسين واقع التغذية الكهربائية، خلال الأشهر الأولى، والانتقادات الشعبية لسياسة رفع التكاليف، أسهما في تأجيل تطبيق ذلك القرار.
الإلغاء كان ممنوعاً
منذ عام 2007، وسياسة الدعم الاجتماعي مثار جدل ونقاش كبيرَين، بين مؤيّد لاستمرار هذه السياسة باعتبارها أحد بنود العقد الاجتماعي القائم في البلاد - وإنْ كان أصحاب هذا الرأي يقرّون بالحاجة إلى إعادة النظر بشكل موضوعي في الفئات المستفيدة من الدعم تحقيقاً للعدالة -؛ وبين مَن يدعو إلى إلغاء جميع أشكال ذلك الدعم، والاستعاضة عنه بتأسيس شبكة حماية اجتماعية، مع الإبقاء على بعض صورة الدعم الاقتصادي.
وخلال هذه الفترة الطويلة، وجلّها خلال الحرب، كانت الحكومات المتعاقبة تلجأ إلى ما تسمّيه «تحريك» أسعار السلع والخدمات المدعومة، بحجّة تضخّم التكاليف وارتفاع فاتورة الدعم في الموازنة العامة، في وقت كانت فيه إيرادات الدولة تتراجع متأثّرةً بتوقّف العجلة الإنتاجية، وخروج الثروات والموارد الوطنية عن سيطرة الحكومة المركزية في دمشق، والحصار الاقتصادي الغربي، وتسخير الموارد خدمةً للإنفاق العسكري لدى جميع الأطراف المشاركة في الحرب، وغير ذلك.
وعلى أيّ حال، لم تكن هناك استراتيجية وطنية طويلة الأمد للتعامل مع ملفّ الدعم الاجتماعي، بدليل أن نسبة الإنفاق الاجتماعي من إجمالي الإنفاق العام كانت متباينة خلال السنوات الماضية؛ إذ بلغت، في عام 2010 (قبل بدء الحرب)، مثلاً، 9.9%، ثم ارتفعت خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الحرب لتصل إلى حوالى 28.2% في عام 2013، قبل أن تسجّل أعلى نسبة لها في عامَي 2015 و2021، حيث بلغت على التوالي 42.9% و45.5%، لتستقرّ في عام 2023 عند نحو 28.4%.
ومن دون شكّ، أسهمت زيادة معدّل التضخّم في ارتفاع تلك النسب، لكن ما تقدّم يكشف أيضاً حجم التراجع في معظم السنوات. فمثلاً، كان التضخّم المُسجَّل في عامَيْ 2022 و2023، أعلى من ذلك المُسجَّل في عام 2021. ومع هذا، فإن نسبة الإنفاق الاجتماعي في العامَين المشار إليهما، كانت أقلّ منها في عام 2021. ولدى مراجعة الإجراءات الحكومية المتّخذة في تلك الفترة، يَظهر، مثلاً، أن الحكومة قامت، في شباط 2022، باستبعاد آلاف الأسر من دائرة الدعم، بحجّة أنها غير مستحقّة. لكن، تبينّ لاحقاً أن قاعدة البيانات التي جرى الاعتماد عليها، كانت مليئة بالأخطاء. وفي آب من عام 2023، قامت الحكومة نفسها بزيادة أسعار المشتقّات النفطية والخبز بنسب كبيرة.
تتمثّل أولى الخطوات في إجراء مسح شامل لهذه الفئات، لتوجيه الدعم بشكل عادل وفعّال
ومع ذلك، فإن جميع الحكومات المتعاقبة لم تجرؤ على رفع الدعم الاجتماعي عن سلعة أو خدمة؛ وحتى عندما فكّرت في رفع مبيع سعر ربطة الخبز من 400 ليرة إلى ثلاثة آلاف ليرة، طلبت من جميع الأسر المُخصّصة بدعم الخبز، فتح حسابات مصرفية ليصار إلى تحويل الفارق بين السعر السابق والسعر الجديد بناءً على مخصّصاتها اليومية المحدّدة تبعاً لعدد أفراد كل أسرة؛ وسواء قامت الأسر بشراء هذه المخصّصات أو لا، فإنها كانت ستحصل على الفارق المذكور. والسبب في ما تقدّم، أن النظام والحكومة آنذاك كانا يدركان خطورة أن يتم رفع سعر ربطة الخبز بهذه النسبة فوراً؛ والأمر نفسه ينسحب على المشتقات النفطية، وتحديداً مادة المازوت المخصّصة للنقل العام أو التدفئة.
إذاً، ما الذي حدث بعد تحرير أسعار جميع المشتقات النفطية، ورفع سعر ربطة الخبر من 400 ليرة إلى 4000 ليرة؟ عمليّاً، ليست هناك دراسات ميدانية ترصد أثر تلك التحوّلات المفاجئة على الوضع المعيشي للسوريين، خاصة أنها تزامنت مع فقدان آلاف العاملين مصادر دخلهم جرّاء عمليات التسريح والطرد، وإيقاف صرف المعاشات التقاعدية للعسكريين المتقاعدين بعد عام 2011.
إلّا أن المؤشرات تُظهر بوضوح تفاقُم الضائقة المعيشية لشريحة واسعة من الأُسر، الأمر الذي دفعها إلى اتّخاذ قرارات صعبة من قَبيل: تقليص عدد وجبات الطعام وكمّيتها يوميّاً، التوجّه إلى شراء سلع غذائية أقلّ جودة، تسرّب الكثير من الطلاب من مراحل عمرية مختلفة من الدراسة إلى سوق العمل للمساعدة في إعالة أُسرهم، بيع الممتلكات والاستدانة من الأصدقاء والأقارب...
أمامنا وقت طويل
أياً كانت الأسباب التي دفعت الإدارة الجديدة إلى الإسراع في خطوات إلغاء الدعم الحكومي، وسواء كانت موضوعية أم لا، فإن التساؤل الرئيسي هنا، هو: ماذا عن الجانب الاجتماعي في السياسات والمشاريع الحكومية؟ وهل ثمة خطوات جادّة وعملية على صعيد تكوين شبكة حماية اجتماعية متكاملة؟ وفقاً لتصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية الحالية، فإن الوزارة «في طور دراسة الواقع الاجتماعي لتصميم برامج تستجيب لحاجات الفئات الأكثر هشاشة.
وتتمثّل أولى الخطوات في إجراء مسح شامل لهذه الفئات، لتوجيه الدعم بشكل عادل وفعّال، وضمان وصوله إلى مَن هم في أَمسّ الحاجة إليه»، أي إن هناك وقتاً طويلاً حتى تتمكن الوزارة من وضع برنامج استجابة وتطبيقه فعلياً على أرض الواقع. وحتى ذلك الحين، فإن معاناة شريحة واسعة من الأُسر ستظلّ قائمة، وقد تتعمّق أيضاً في ظلّ ضعف احتمالات حدوث انفراج حقيقي، الأمر الذي قد تترتّب عليه تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.
ولعلّ المشروع الذي أطلقه «برنامج الغذاء العالمي»، أخيراً، والمتعلّق بتحمّل نفقات خفض سعر ربطة الخبز من أربعة آلاف ليرة إلى 2400 ليرة، في ستّ محافظات، كمرحلة أولى، يؤشّر إلى استشعار البرنامج خطورة الوضع الغذائي الحالي، وعجز أُسر كثيرة عن شراء أبسط احتياجاتها من مادة الخبز يومياً.
هل الأمر يحتاج إلى اختراع الدولاب من جديد؟ وهل يجب نسف كل ما أُنجز سابقاً؟ بالتأكيد لا. فالحكومة الانتقالية الحالية لديها قاعدة ضخمة من البيانات المتعلّقة بجميع الأُسر، تمّ جمعها من قِبَل مؤسسات الدولة على مدار عدّة سنوات، فضلاً عن الكثير من الدراسات والأبحاث التي تمّ إعدادها سابقاً حول الفئات الهشّة وسُبل دعمها وإسنادها معيشيّاً وواقع الأمن الغذائي في البلاد، وهذه كلّها لم تكن تحمل أيّ مواقف سياسية أو تُبنى على اصطفاف سياسي، وإنّما كانت تقنية وفنية وعلمية، والعديد منها جرى بالتعاون مع منظمات أممية ودولية.
وعليه، فإن كل ما تحتاج إليه الحكومة اليوم هو إضافة المناطق التي لم تشملها تلك الدراسات والمشاريع لكونها كانت خارجة عن سيطرة دمشق، واستثمارها في وضع خريطة تُظهر توزّع الأُسر بحسب احتياجاتها وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وتكون أساساً يُبنى عليه في بناء شبكة حماية اجتماعية متقدّمة.
