تسريح الموظفين يتواصل: نحو إلغاء عقود المؤقّتين
فيما تنفّس آلاف العمّال الدائمين، الصعداء، مع قرار إعادتهم إلى العمل أخيراً، فإن آخرين من أصحاب العقود المؤقتة محبطون من جرّاء قرار عدم تجديد عقودهم السنوية


تراجعت السلطة الانتقالية في ما يبدو، مكرهةً، عن قرارها السابق، بمنح آلاف العاملين إجازات مأجورة امتدّت لعدّة أشهر؛ إذ، ووفقاً للتعليمات الصادرة أخيراً عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، طُلب إلى جميع الجهات العامة، إبلاغ العاملين لديها بانتهاء الإجازات المأجورة الممنوحة لهم، والعودة إلى العمل أصولاً، بدءاً من الأول من أيلول.
وممّا لفت في التعليمات المذكورة، أنها في الوقت الذي حلّت فيه مشكلة الإجازات «الإجبارية»، التي مُنحت لآلاف العاملين بعيد سقوط النظام السابق بحجّة الفائض العددي، فقد تسبّبت بخلق مشكلة أخرى لا تقلّ خطورة وسلبية عن الأولى، بعدما ألزمت الوزارات والمؤسّسات «بعدم تجديد العقود المؤقّتة بعد انتهاء مدّتها، إلّا بموافقة الأمانة العامة للرئاسة»، ما يعني عمليّاً إطلاق موجة تسريح جديدة تشمل آلاف العاملين.
عمرهم سنوات... ومؤقّتون
الاستخدام المؤقّت والتعاقد، يُعدّان من الصيغ القانونية الواردة في قانون العاملين الموحّد الخاص بالجهات العامة. صيغةٌ كانت الجهات العامة تلجأ إليها لدى استحالة الإعلان عن مسابقة تعيين، أو عند الرغبة في توظيف بعض الأشخاص بشكل فردي. ونتيجة تضخّم ظاهرة التعاقد المؤقّت بفعل المحسوبيات والفساد، عملت الحكومات المتعاقبة، منذ منتصف العقد ما قبل الماضي، على ضبط هذه الظاهرة، من حيث ربطها بموافقة رئيس مجلس الوزراء، ثم وقفها نهائياً إلّا في حالات محدّدة، كإجراء مسابقات عامة وتوظيف «ذوي الشهداء»، وغير ذلك.
مع هذا، فإن عدد الموظفين الذين يعملون بصفة مؤقّتة بقي كبيراً لسبَبين: الأول أن عام 2011 شهد تغيير صفة الاستخدام لكثير من المياومين والعاملين على نظام الفاتورة إلى صفة الاستخدام المؤقّت، بغية حصر الاستخدام في الجهات بين الاستخدام الدائم والمؤقّت فقط، وعلى أمل تثبيت المؤقّتين لاحقاً، وإقفال ملفّ التوظيف إلّا عن طريق المسابقات، وهو ما لم يحدث نتيجة الفساد والترهّل الإداري والثغرات القانونية.
أما السبب الثاني، فكان في اضطرار الجهات العامة، خلال السنوات الماضية، إلى إجراء مسابقات للتعاقد المؤقّت مع بعض العاملين لملء بعض الشواغر الوظيفية المهمّة، والتي شهدت نقصاً كبيراً، ولا سيما مع هجرة الكوادر والكفاءات وعمليات الاستقالة والإقالة وغيرها. وبحسب تقديرات سابقة لـ»الاتحاد العام لنقابات العمال»، فإن عدد العاملين المؤقّتين في مختلف الجهات العامة، وصل في نهاية عام 2018، إلى حوالى 100 ألف عامل، فيما لا تعرف نسبة التغيير التي طرأت على هذا الرقم في السنوات التالية، زيادة أو نقصاناً.
ولعلّ آخر محاولة حكومية سُجّلت لمعالجة ملفّ العاملين المؤقّتين، والذين يجري تجديد عقود عملهم سنوياً بشكل تلقائي، كانت في عام 2018، عندما وافقت الحكومة على مشروع صك تشريعي لتثبيت هؤلاء وفق ضوابط معينة بغية إقفال الملف نهائيّاً. وأُرسل القرار لاحقاً إلى رئاسة الجمهورية، التي أجّلت إصداره بحجة تضاربه مع مشروع الإصلاح الإداري، فاستقرّ رأي وزارة التنمية الإدارية في السنوات التالية على عدم تثبيت المؤقّتين، وأنه يمكن لمن يودّ تحويل صك استخدامه من مؤقّت إلى دائم، التقدّم إلى المسابقة المركزية التي أُعلن عنها في عام 2023، متجاهلةً بذلك الخدمة الطويلة لبعض العاملين، والتي تصل أحياناً إلى أكثر من 15 عاماً، فضلاً عن أن قرار تثبيتهم لم يكن ليكلّف خزينة الدولة ليرة واحدة.
ليسوا هامشيين في العمل
لا يمكن النظر إلى الإجراء الجديد من منظور أثره السلبي على معيشة آلاف الأسر في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة فقط؛ فالكثير من العاملين المؤقّتين يؤدّون فعليّاً مهامَّ وظيفية أساسية في مؤسساتهم، وباتت لديهم خبرة إدارية وقانونية وفنية وتقنية، وفي جميع المجالات الإنتاجية والخدمية والعلمية. وبالتالي، فإن الاستغناء عن خدماتهم سيؤثّر سلباً على أداء الجهات العامة لمهامّها ووظائفها.
ووفقاً لروايات بعض المراجعين لمؤسسات الدولة وجهاتها العامة خلال الأيام القليلة التي أعقبت التعليمات الرئاسية، فقد كان هناك قلق وخوف كبيران لدى العاملين المؤقّتين، وفي بعض المديريات، من توقّف العمل فعلاً. وتعقيباً على ذلك، يشير بعض الاقتصاديين إلى أن هناك تفسيراً واحداً من اثنين للتعليمات التي صدرت: إمّا أن الرئاسة ليست في صورة عمل العاملين المؤقّتين والمهامّ المُسندة إليهم ومدى الحاجة إليهم، وعليه فإن قرارها بعدم تجديد العقود جاء متسرّعاً ولا بد من مراجعته في ضوء دراسة تفصيلية أشمل.
وإمّا أن إصرار السلطة الانتقالية على تخفيض عدد العاملين في مؤسسات الدولة دفعها نحو السير بهذا الخيار، بالنظر إلى أن تجديد عقود الاستخدام المؤقّتة حقّ قانوني للإدارة، ولا يترتّب عليه أيّ تبعات قانونية، في حين أن القانون يقف إلى جانب العاملين الدائمين، وحالات الصرف من الخدمة واضحة وصريحة. وحتى هذه ليست مطلقة، فالكثير من العاملين الذين صُرفوا من الخدمة في عهد النظام السابق، عادوا إلى وظائفهم بقرار قضائي.
