
للشهر السادس على التوالي، يعيش سكّان مناطق سيطرة «قسد» في شمال شرق سوريا عزلة تامة عن شبكات الاتصالات السورية، بعد توقّف خدمات شركتَي «سيريتل» و«إم تي إن» للخلوي والإنترنت. وفيما تمتنع الحكومة الانتقالية و«الإدارة الذاتية» عن إصدار توضيحات حول أسباب هذا الانقطاع، تتصاعد شكاوى الأهالي ومطالباتهم بتحييد القطاعات الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية.
ويمثّل انقطاع الاتصالات تتويجاً لسلسلة أزمات خدماتية، بعد عامين من انقطاع المياه التام من محطة علوك، وستة أعوام من الانقطاع المتقطّع لها عن مدينة الحسكة وريفها، ثم الانقطاع التام للكهرباء عن باقي مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» منذ عدة أشهر، بفعل خفض تركيا منسوب مياه نهر الفرات.
وسرّبت وسائل إعلام مقرّبة من «قسد» وصحافيون محسوبون عليها، أن وقف خدمة الاتصالات سببه «الهيمنة التركية» على كلّ مفاصل عمل الحكومة الانتقالية، بما يتيح لأنقرة الوصول إلى بيانات المنطقة، ويشكّل «خطراً أمنياً» على المسؤولين الأمنيين والعسكريين والسياسيين، الأمر الذي يدفع إلى قطع الشبكات في ظل توفّر البدائل. في المقابل، يحمّل ناشطون مقرّبون من الحكومة الانتقالية المسؤولية لـ«قسد» نفسها، متّهمين إيّاها بفرض تضييق على الشركتَين المشغّلتَين لخدمة الاتصالات، ومطالبتهما بـ«ضرائب باهظة»، وهو ما رفضته وزارة الاتصالات الحكومية، وأدّى إلى توقف الشبكات.
وفي الوقت نفسه، تحدّثت رواية ثالثة عن سعي «الإدارة الذاتية» لاحتكار خدمة الإنترنت عبر شركة محلية، من أجل تحقيق الأرباح وضمان مراقبة أنشطة سكان مناطق شمال شرق سوريا. ويستدلّون على ذلك بارتفاع مبيعات الشركة من الخطوط إلى أضعاف، وهو ما عكسته مشاهد الازدحام للحصول على خطوط جديدة، في ظل استمرار انقطاع الاتصالات الحكومية.
على أن مصدراً مطّلعاً في قطاع الاتصالات، يعزو قطع الخدمة إلى «أسباب اقتصادية وخلاف على قيمة ضرائب مفروضة على الشركات»، موضحاً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن ««الإدارة الذاتية» طلبت من الشركتَين دفع مبالغ ضخمة كضرائب سنوية مقابل السماح لهما بالعمل في مناطقها بعد سقوط النظام، قبل أن تُقدِم على فصل التغذية عن محطات التشغيل والأبراج في الحسكة والرقة وأرياف دير الزور وحلب»، مرجّحاً أن الهدف من ذلك «تجاري ربحي».
ويحتمل المصدر، في الوقت نفسه، أن «يكون السبب الاقتصادي، وراءه مخاوف من مراقبة أنشطة «قسد» من جانب الحكومة، وهو ما لم يُعلن رسمياً»، مؤكداً أنه «لا توجد أي أسباب فنية أو تشغيلية تمنع تشغيل شبكات الاتصالات الجاهزة بمجرد انتهاء الخلاف مع الذاتية».
من جهته، يؤكّد مصدر مقرّب من «الإدارة الذاتية» أنه «قبل سقوط النظام، كانت شركات الاتصالات المشغّلة لخدمة الخلوي خاصة، وكانت تسدّد مبالغ بدل خدمات في مناطق سيطرة «الذاتية»»، لافتاً إلى أن «رفض الشركات دفع ضرائب طبيعية مقابل أرباحها الضخمة من ثلاثة ملايين مشترك في مناطق شمال وشرق سوريا هو السبب المباشر». ويضيف أن «البدائل متوفّرة من خلال الإنترنت الفضائي وخدمة الـDSL وخدمة الإنترنت عبر الجوال، بجودة مقبولة وآمنة». وإذ يرفض الخوض في مسألة «التوظيف السياسي» المرتبط بالدور التركي، فهو يعتقد أن «تركيا تتحكّم بكل مفاصل سوريا، في ظل غياب حكومة جامعة وممثّلة لكل السوريين، وتحفظ استقلالهم».

