
خرج موظّفو «الإدارة الذاتية» وأنصارها، في تظاهرات واسعة في عدد من مدن محافظة الحسكة، ردّاً على تصريحات رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، التي اعتبر فيها أنّ «قسد» و«الذاتية» لا تمثّلان إرادة سكان المنطقة. وجاءت تصريحاته تلك بعد يومين من عقْد مؤتمر موسّع لـ«مسد»، الذراع السياسية لـ«قسد»، في محاولة للضغط على دمشق، من أجل استئناف الحوار وتطبيق اتفاق العاشر من آذار، وسط تسريبات كردية عن احتمال نقل مكان انعقاد جولات التفاوض إلى عاصمة عربية، بدلاً من باريس.
وكان الشرع اعتبر، في تصريحات إلى «الإخبارية السورية»، أنّ «قسد لا تمثّل كلّ المكوّن الكردي، والتفاوض معها مستمرّ»، مشيراً إلى أنّ «المفاوضات كانت سارية بشكل جيد، لكن يبدو أنّ هناك نوعاً من التعطيل أو التباطؤ في تنفيذ الاتفاق»، مضيفاً أنّ «الاتفاق مع قسد وضعت له مدّة حتى نهاية العام الجاري، وكنّا نسعى إلى أن تطبّق بنوده نهاية شهر كانون الأول المقبل». وتابع: «قمت بكلّ ما يجنّب شمال شرق سوريا الدخول في معركة أو حرب»، لافتاً إلى أنه «تمّت الموافقة على دمج قوات قسد في الجيش العربي السوري، واتّفقنا على بعض الخصوصيات للمناطق الكردية».
وجاء الردّ الكردي على ذلك سريعاً وحادّاً على لسان القيادي البارز، عضو الهيئة الرئاسية في «حزب الاتحاد الديمقراطي»، ألدار خليل، الذي أكّد أمام حشد جماهيري مؤيّد لـ«الذاتية»، أنّ «قوات سوريا الديموقراطية والإدارة الذاتية تمثّلنا، أمّا أنتم فلا تمثّلون إلّا أنفسكم»، مضيفاً أنّ «جميع المكوّنات والأطياف السورية لا تقبل عقليّتكم ولا تمثّلونها».
ووجّه خليل كلامه إلى الشرع، قائلاً: «بهذه الذهنية، أنتم تدفعون المنطقة نحو التقسيم والأزمات»، معتبراً أنّ «مشروع الإدارة الذاتية، مشروع سوري، قائم على وحدة الأراضي السورية». وأضاف: «إذا أردتم الحلول، فعليكم البدء في حوار رسمي وجدّي مع شمال وشرق سوريا»، لافتاً إلى أنه «حتى الآن، لم تقوموا بتفعيل الدوائر الرسمية في مناطقنا، كالمطار والمعابر وغيرها، ولا تتعاملون مع مناطقنا كجزء من سوريا».
وعكست تصريحات القيادي الكردي، حال الانسداد في مسار التفاوض، في ظلّ تباين وجهات نظر الطرفَين حول آليّة التطبيق، خاصة ما يتعلّق منها بدمج «قسد» بالجيش، وهو ما بدأ يُترجم إلى اشتباكات متقطّعة على خطوط التّماس. وبالنسبة إلى الحكومة الانتقالية، فإنّ دمج مؤسسات «قسد» و«الإدارة الذاتية»، يعني حلَّها، وضمّ الموظفين فيها من عسكريين ومدنيين إلى المؤسّسات المماثلة في الحكومة. إلّا أنّ «الذاتية» ترى أنّ التفسير السليم هو الحفاظ على مؤسّساتها، وفي مقدّمها «قسد» و«الأسايش»، ودمجها بنظيراتها في الحكومة، مع تطبيق اللامركزية في الحكم عبر منحها صلاحيات محلّية واسعة، على أن يحتفظ المركز بالشؤون السياسية والعسكرية.
ومع تعثّر محاولات إحياء المفاوضات لتطبيق الاتفاق الموقّع بين الشرع، وقائد «قسد» مظلوم عبدي، نقل «تلفزيون سوريا» المقرّب من الحكومة، عن مصدر خاص، قوله إنّ «فرنسا تقترح تغيير مكان عقد اللقاء بين دمشق وقسد من باريس إلى دولة عربية»، كاشفاً أنه «تمّ اقتراح الأردن أو السعودية أو كردستان العراق مكاناً لعقد اللقاء». وأشار إلى أنّ «الخارجية الفرنسية بحثت مع مسؤولين في قسد توسيع قائمة الدول الضامنة للاتفاق لتشمل دولاً عربية وإقليمية، من بينها تركيا»، مستدركاً أنّ «الحكومة السورية متشبّثة بموقفها بضرورة عقد اللقاء في دمشق». ولفت إلى أنّ «الحكومة السورية تعتبر المشكلات مع قسد داخلية ويجب أن تحلّ وتتمّ مناقشتها بين السوريين أنفسهم وداخل البلاد».
من جهته، نفى مصدر مطّلع على مسار المفاوضات، أن «تكون حكومة الشرع ناقشت مع أيّ طرف دولي مكاناً لعقد جولات المفاوضات بعيداً من سوريا»، مشيراً إلى أنّ «دمشق رفضت مرّتَين عقد جولة من مفاوضات تطبيق اتفاق العاشر من آذار في باريس». وكشف المصدر، لـ«الأخبار»، أنّ «كلّ محاولات عقد جولة جديدة لم يُكتب لها النجاح، بسبب تعنّت كل طرف في مطالبه»، لافتاً إلى أنّ «الدولتين الضامنتين (الولايات المتحدة وفرنسا) تريدان عقد جولة جديدة بنتائج تدفع الاتفاق نحو التطبيق».
بدوره، أكّد مصدر كردي، لـ«الأخبار»، أنّ «الحكومة لم تلتزم بتطبيق بنود اتفاق الـ10 من آذار، بدءاً من وقف إطلاق النار، وهو ما تُرجم بالهجمات التي قامت بها في الساحل والسويداء، بالإضافة إلى التفرّد في إدارة البلاد»، مشيراً إلى أنّ «كل سياسات الحكومة تُظهر أنها تريد الاستئثار بالسلطة، ولا تريد أيّ شراكة في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما سيؤدّي إلى حال من انعدام الاستقرار». وأضاف أنّ «دمشق ترعى خطاباً للكراهية ضدّ قسد، وهذا يَظهر في وسائل إعلامها وإعلاميّيها الذين تتبنّاهم، بما يتناقض مع بند نبذ الكراهية»، متابعاً أنّ «دمشق لم تفِ بتعهّداتها بإعادة المهجّرين من أهالي عفرين ورأس العين وتل أبيض».
ورأى أنّ «المفاوضات تحتاج إلى وقت، خاصة في بلد عاش حرباً كارثية على مدى 15 عاماً»، مرجّحاً أنّ «الضغوط الدولية على الطرفين ستمنع أيّ مواجهة، وستدفعهما إلى تقديم تنازلات، تُدخل الاتفاق حيّز التطبيق». وطالب حكومة الشرع بـ«تخفيف حال التبعيّة لتركيا»، مشدّداً على أهمّية «تقديم الحال الوطنية السورية، لإنجاح الاتفاق، والوصول بالبلاد إلى برّ الأمان».

