
تزامناً مع التصعيد الإعلامي الكردي ضدّ المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، واتهامه بعدم القدرة على إدارة الملف السوري، نظّمت «قسد» مسيرات مؤيّدة لقواتها في عدد من مدن وبلدات شمال شرق سوريا، بالتوازي مع عقد مؤتمر صحافي للحديث عن الدور الذي تقوم به في مواجهة نشاط خلايا تنظيم «داعش» منذ سقوط نظام الأسد، ودورها في منع التنظيم من استغلال الفوضى الأمنية لاستعادة نشاطه في المنطقة.
وتهدف المسيرات الجماهيرية التي نظّمتها «الإدارة الذاتية»، إلى تأكيد تمسّك سكان شمال وشرق سوريا بقوات «قسد» في مدن الحسكة والقامشلي والرقة والطبقة، في محاولة لإظهار جماهيريّتها في مناطق نفوذها، مع رفع شعارات تطالب بالحفاظ على هذه القوات لحماية المنطقة.
وتأتي هذه الفاعليات الشعبية ردّاً على تصريحات الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، الذي قال إنّ «قوات قسد لا تمثّل مكوّنات مناطق شمال وشرق سوريا، بما فيهم الكرد»، في محاولة لإثبات عكس ذلك، خصوصاً في ظلّ التسريبات عن رغبة دمشق في التعامل مع «المجلس الوطني الكردي» كممثّل للأكراد، وتحييد أحزاب «الإدارة الذاتية»، مراعاةً لتركيا، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الرسمية السورية والتركية إلى ضرورة تفكيك «قسد» و«الذاتية».
أمّا المؤتمر الصحافي الذي عقدته القيادة العامة لـ«قسد» في مدينة الحسكة، فركّزت فيه على الأنشطة التي قامت بها ضدّ خلايا تنظيم «داعش» منذ سقوط نظام الأسد، في محاولة للفت نظر الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى جهدها في محاربة التنظيم ومنع استغلاله لسقوط النظام ونشر الفوضى في الداخل السوري.
وأكّد المتحدّث الرسمي باسم «قسد»، أبجر داود، أنّ «داعش لا يزال يسعى إلى إعادة تنظيم صفوفه، مستفيداً من حال الفوضى القائمة في العديد من مناطق سوريا، ومن بعض البيئات غير المستقرّة في المناطق الخارجة عن سيطرة قسد»، مشيراً إلى أنّ «العمليات الأمنية والعسكرية النوعية لقواتنا، بالتنسيق مع التحالف الدولي، حالت حتى الآن دون عودته، وأفشلت عشرات المحاولات التي استهدفت أمن واستقرار شعوبنا».
واستعرض داود، أنشطة التنظيم بعد سقوط نظام الأسد، مؤكّداً أنّ «خلايا التنظيم نفّذت 153 هجوماً في مناطق شمال وشرق سوريا، وهو معدّل يشير إلى محاولة إعادة تنظيم وتوسيع نطاق عملياته»، مضيفاً أنّه «بالتنسيق المستمرّ مع التحالف الدولي وبدعم من قواته، نفّذت قواتنا في أثناء الأشهر العشرة الماضية سلسلة عمليات ميدانية واستباقية أدّت إلى تفكيك خلايا، والقبض على عشرات المشتبه بهم، وإحباط عشرات المخطّطات الهجومية، ما أسهم في الحدّ من قدرات التنظيم على شنّ هجمات كبيرة بامتداد الوقت والمكان».
المؤتمر عُقد بتنسيق مع القادة العسكريين الأميركيين لكونهم يملكون وجهة نظر تتعارض مع السياسيين
وأضاف: «كحصيلة، نفّذت قواتنا بمختلف تشكيلاتها العسكرية، وبدعم من التحالف الدولي، 70 عملية، بينها ثلاث عمليات تمشيط واسعة النطاق، أُلقي خلالها القبض على 95 إرهابياً بينهم ثلاثة متزعّمون. كما قتلت في أثناء العمليات ستة إرهابيين بينهم متزعّمان اثنان، وسيطرنا على كمية كبيرة من الأسلحة والذخيرة والأوراق الثبوتية»، مشدّداً على «استمرارية المعركة ضدّ داعش، وأهمية الشراكة الدولية والتعاون مع التحالف الدولي كعنصر حاسم في منع عودة التنظيم، مع المطالبة بمزيد من الدعم العملياتي واللوجستي، والاستقرار والإعمار، عبر دعم مشاريع تنموية».
وإزاء ذلك، يبدو أنّ «قسد» أرادت التذكير بأهمية دورها في محاربة «داعش»، والتأكيد على الورقتين الأساسيّتين اللّتين تملكهما: ملف السجون والمخيمات التي تضمّ عناصر وعائلات «داعش»، من جهة، ودورها في الحرب ضدّ التنظيم في سوريا، من جهة ثانية. ولا يُستبعد، في هذا الإطار، أن يكون المؤتمر قد عُقد بتنسيق مع القادة العسكريين الأميركيين الموجودين في مناطق سيطرة «قسد»، نظراً لكونهم غالباً يملكون وجهة نظر تتعارض مع وجهة نظر السياسيين الأميركيين، عبر معارضتهم الانسحاب الكامل من شمال شرق سوريا، والدعوة إلى الحفاظ على هذا الوجود لمواجهة أي انتعاشة محتملة للتنظيم.
وفيما كان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، قد أكّد في تصريحات سابقة أنّ الولايات المتحدة ستُخلي جميع قواعدها في سوريا، مع الاحتفاظ بقاعدة وحيدة يُعتقد أنّها «قاعدة التنف» عند مثلث الحدود السورية ـــ العراقية ـــ الأردنية، يؤكّد مصدر مطّلع، في حديثه إلى «الأخبار»، أنّ «قيادة قسد والإدارة الذاتية مصدومتان من مواقف برّاك، الذي مارس ضغوطاً كبيرة على القائد العام لقسد، مظلوم عبدي، في أثناء لقائهما في الأردن قبل أسابيع»، معتبراً أنّ «كل المؤشرات تدلّ على أنّ المبعوث الأميركي يريد من قسد تقديم تنازلات قاسية لدمشق وأنقرة، من دون أن تحصل على أي تنازلات مقابلة».
وإذ يرى المصدر أنّ «برّاك يحاول ترغيب دمشق بتوقيع اتفاق أمني والقيام بتطبيع شامل مع الإسرائيليين على مراحل»، مؤكّداً أنّ «قسد تدرك ما يحصل، ولن تقبل بأن تكون كبش فداء لإتمام صفقات دولية»، فهو يكشف أنّ «القرار لدى قسد هو إمّا حصول تنازلات عادلة من الطرفين لتطبيق اتفاق 10 آذار، أو عدم القبول بحلّ قواتها والإدارة الذاتية، أو بإجراءات لا تضمن حماية الأكراد من مجازر جماعية قد تُرتكب بحقّهم»، لافتاً إلى أنّ «قسد ترى في نفسها ضمانة للديمقراطية والعلمانية، ولكلّ من يتبنّى هذا الفكر على امتداد الجغرافيا السورية».

