
تضع كلّ من السلطات الانتقالية في سوريا وإسرائيل، بوساطة ودفع من الولايات المتحدة، اللمسات الأخيرة على الاتفاقية الأمنية المُزمع توقيعها، والتي تنتظر واشنطن احتضان مراسمها باعتبارها «إنجازاً» لسياستها في الملف السوري، الذي باتت تستحوذ عليه عبر سفيرها في تركيا، المبعوث الخاص إلى سوريا، توماس برّاك.
ويأتي هذا بعدما انشغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية، خلال الأيام الماضية، بتسريب بعض بنود الاتفاقية، التي تهدف إلى رسم خريطة جديدة للجنوب السوري، تشمل توسيع المنطقة العازلة عبر قضم مزيد من الأراضي (بعرض كيلومترين إضافيين)، وإقامة منطقة منزوعة السلاح، وأخرى يُمنع فيها تحليق الطيران الحربي السوري، بالإضافة إلى شروط أخرى تتعلّق بقبول سوريا بسيطرة إسرائيل على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، وعلى تل الحارة في ريف درعا، وهو ما يضمن لتل أبيب إحكام سيطرتها على الجنوب وصولاً إلى العاصمة دمشق.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر سياسية إسرائيلية أنّ تل أبيب أبلغت دمشق، خلال المحادثات الرسمية الجارية بينهما، تمسّكها بالسيطرة على قمم جبل الشيخ، الواقعة عند مثلث الحدود مع لبنان، بوصفها «موقعاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه (…) يتيح أيضاً مراقبة طريق دمشق ـ بيروت الحيوي، والإشراف على البقاع اللبناني الذي يعدّه الجيش مركزاً خلفياً لوجستياً لحزب الله». وبالتوازي، أعلن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في تصريحات أدلى بها على هامش زيارته إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الاتفاقية المُزمع توقيعها تقوم على أساس اتفاقية فضّ الاشتباك الموقّعة عام 1974، ما يوحي، للوهلة الأولى، باستمرار وجود خلافات في وجهات النظر.
تجذّر الاتفاقية النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري وتمنحه مرجعاً قانونياً لاحتلال أراضٍ سورية استراتيجية
غير أن تسارع الأحداث واقتراب موعد توقيع الاتفاقية، يكشفان عن قبول ضمني من السلطات الانتقالية بالخطة الإسرائيلية، خصوصاً بعد تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تمسّك قوات الاحتلال بقمة جبل الشيخ، إلى جانب تشديد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على شرط إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب، يُضاف إليها بند «حماية الدروز»، في إشارة إلى السويداء التي تمّ إنشاء «إدارة ذاتية» فيها.
ويأتي ذلك في وقت يجري فيه التحضير لتوقيع الاتفاقية، التي ذكرت مصادر إعلامية من بينها صحيفة «معاريف»، أن خطواتها تتسارع «بشكل غير مسبوق»، على أن تُتوّج بلقاء قد يُعقد بين نتنياهو والشرع في واشنطن. وبينما أشارت «معاريف» إلى أن اللقاء الذي وصفته بـ«التاريخي»، سيتمّ مطلع الأسبوع المقبل بحضور الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ذكرت «سكاي نيوز» أن اللقاء قد يُنجز اليوم الأربعاء أو غداً الخميس، لتُوقّع بالتالي الاتفاقية التي تتضمّن بنوداً إضافية تسمح لإسرائيل باستعمال المجال الجوي السوري لشنّ هجمات ضد إيران.
ويُعدّ هذا اللقاء جزءاً من مخطّط أميركي بدأت واشنطن تنفيذه منذ تسليم الملف السوري لمبعوثها الخاص (برّاك)، الذي تصدّر عملية التحضير لمشاركة الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تُعدّ «تاريخية» أيضاً، في ظلّ عدم مشاركة أيّ رئيس سوري في هذه الاجتماعات منذ عام 1967.
وشملت تلك التحضيرات شطب اسم الشرع وجماعته «هيئة تحرير الشام» من قوائم الإرهاب الأميركية، ومحاولة اتخاذ إجراء مماثل في مجلس الأمن، قبل أن تُجهَض الجهود الأميركية في هذا الاتجاه بعد اعتراضات من دول عدّة، أبرزها بكين، وهو ما دفع واشنطن إلى استصدار استثناء من المجلس يسمح للشرع بالسفر إلى نيويورك، ليشارك في وقت لاحق في اجتماع ثلاثي في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث سيتم توقيع الاتفاقية.
ويعني التوقيع، فعلياً، تجذير النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري، ومنح الاحتلال مرجعاً قانونياً للاستيلاء على أراضٍ سورية استراتيجية، من بينها قمة جبل الشيخ ومرتفعات أخرى قريبة من منابع المياه العذبة، من دون وجود ضمانات واضحة تمنع إسرائيل من تكرار اعتداءاتها على سوريا، والتي قال الشرع إنّها تجاوزت الألف خلال الأشهر الأخيرة.

