عناوين غامضة ومهمّات فضفافة: «الكسب غير المشروع» لا تُطمئن السوريين

دمشق | لا تكمن أهمية كتاب وزارة الاقتصاد والصناعة المسرّب أخيراً، والمتعلّق بطلب لجنة الكسب غير المشروع الحجز على أموال بعض الجهات، في كشفه عن أسماء الشركات التي طالها الحجز، وإنما في رقم الكتاب المتسلسل، والذي يشير صراحة إلى وجود كتب أخرى سابقة، عددها بالمئات، صادرة عن اللجنة التي كان قد أحدثها الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في أيار الماضي، وكُلّفت «بمتابعة الأموال المنضوية تحت مسمى الكسب غير المشروع وإدارتها والتحقيق بها صوناً للمال العام، وتحقيق المصلحة العامة وحصانتها حتى التحقق منها قانونياً».
وتثير قرارات الحجز الاحتياطي، والتي يكتسب بعضها تأييداً شعبياً أملاً في استعادة الأموال العامة المنهوبة، تساؤلات جوهرية كانت قد طرحت سابقاً عند الإعلان عن تشكيل اللجنة، إلى مدى الحاجة إلى هذه الأخيرة في ظلّ وجود عدّة جهات رقابية رسمية، فضلاً عن تركيبتها وآلية عملها، ومدى توافقها مع القوانين والتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، تستعيد ذاكرة السوريين تجربة لجنة شهيرة كانت قد شُكّلت منتصف السبعينيات بصورة مؤسساتية وقانونية - رغم فشلها لاحقاً في القيام بمهماتها في ضوء افتقادها إلى دعم سياسي حقيقي -، وبما يتفق مع بعض التجارب الدولية ويمنحها المصداقية والاستقلالية والخبرة. وينطبق ذلك على الشخصيات التي تكوّنت منها، والمعروفة بشغلها مناصب وظيفية ونقابية ومهمات حزبية واضحة، وبتخصّصاتها العلمية والوظيفية المتنوعة، لا سيما في جانبها القضائي والقانوني، وأيضاً على آلية عملها وصلاحياتها وعلاقتها بالسلطة القضائية وحقوق المتّهَمين من جانبها في الدفاع عن أنفسهم.
أين القضاة؟
يؤخذ على اللجنة الأخيرة أنها جاءت بمنزلة إجراء استثنائي، وهو أمر يخالف صراحة ما نصّ عليه الإعلان الدستوري لجهة إلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية، لا سيما أن نطاق اختصاص اللجنة حُدّد بالمناصب والوظائف المدنية والعسكرية؛ وهذه أساساً من ضمن الاختصاصات المنوطة بـ«الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش» و«الجهاز المركزي للرقابة المالية» و«هيئة مكافحة غسيل الأموال»، الأمر الذي يشكل ازدواجاً قانونياً ومؤسساتياً صريحاً.
وإلى جانب سمة «الغموض» التي تطغى على سِير الشخصيات التي تشكّلت منها اللجنة، يفتح غياب التخصّصات القضائية والرقابية وشرطَي الخبرة والتجربة، الباب أمام اتخاذ قرارات قد يبرّرها شكلياً قرار الإحداث الرئاسي، إلا أنها تبقى في نظر القضاء «مخالفات» لا يمكن تغطيتها بصلاحيات ممنوحة بموجب القرار المذكور. وبحسب ما يشير إليه قاض تنقّل في عمله بين محاكم عدّة، فإن «ملاحقة الكسب غير المشروع لا يمكن أن تجري بمعزل عن الالتزام بمبادئ دستورية وقضائية أساسية ومعروفة دولياً منها قرينة البراءة، مرجعية القضاء وحق الدفاع، والأسس التي يجب أن ينطلق منها التحقيق في أي ملفات يشتبه أنها تتضمن كسباً غير مشروع للمال والثروة».
ويضيف القاضي أن «القرار الرئاسي، على أهميته، جاء غامضاً ومبهماً، فهو لم يحدّد صلاحيات اللجنة ومسؤولياتها بشكل واضح قابل للقياس، فضلاً عن غموض علاقتها بالقضاء المفترض أنه اليوم سلطة مستقلة».
ومع توسّع عمل اللجنة، تثار جملة تساؤلات حولها من أبرزها: ما آلية الاعتراض التي يمكن أن يتّبعها أيّ متهم؟ هل يلجأ إلى القضاء العادي أم عليه أن يتقدّم باعتراضه إلى اللجنة نفسها؟ وماذا لو أصدر القضاء قراراً مناقضاً لبعض قرارات اللجنة؟ وهل يحق للأخيرة التحقيق في قضايا خارج اختصاصها؟ وممّا يزيد الطين بلة، هو سياسة الغموض التي تنتهجها اللجنة في عملها، وابتعادها عن الرأي العام، واستنكافها عن مشاركته في الملفات المثارة والاستفادة من ملاحظات أصحاب الكفاءات والخبرات في هذا الشأن، لا بل غياب أي وسيلة للتواصل معها؛ إذ ليس هناك عنوان للمكتب الذي تمارس عبره مهماتها، ولا رقم هاتف للإبلاغ عن حالات معينة، ولا حتى صفحة على شبكات التواصل الاجتماعي باعتبار أن الإدارة الجديدة «مغرمة» بتلك الشبكات أكثر من وسائل الإعلام الرسمية والخاصة.
لجنة بلا عنوان
أما التساؤل الأكثر شيوعاً اليوم، فهو ما إذا كانت مهمّة اللجنة تقتصر على التحقيق في الملفات والقضايا المرتبطة بمدة وجود النظام السابق كما هو حال «هيئة العدالة الانتقالية»؟ أم أنها مفتوحة زمنياً لتشمل جميع الحالات بغض النظر عن تاريخ حدوثها والانتماء السياسي للأشخاص المتورطين فيها؟ وفقاً لمضمون قرار الإحداث الرئاسي، فإنه لم يتمّ حصر المهمّة بمدة محدّدة، ما يعني أن الباب سيكون مفتوحاً للتحقيق في جميع الحالات والملفّات المشتبه فيها.
وبذلك، ستكون اللجنة أمام امتحان لمدى التزامها الموضوعية والنزاهة في القيام بمهماتها بعيداً من أي اعتبارات سياسية، خاصة في ظلّ الحديث المتزايد عن غموض بعض العقود الاقتصادية الموقّعة أخيراً، والإنفاق الحكومي المتحرّر من كلّ القوانين والأنظمة، والتي يفترض أنها لا تزال سارية المفعول بموجب الإعلان الدستوري، فضلاً عن استمرار تقاضي الرشاوى وعمليات النهب والسرقة لمنازل شريحة من المواطنين لأسباب طائفية أو قومية أو حتى سياسية.
في ضوء ما سبق، وفي ظلّ التقديرات بضخامة أموال الفساد التي يمكن ملاحقتها باعتبارها «كسباً غير مشروع»، ترتفع الأصوات الحقوقية والقضائية والمدنية، المطالبة بإعادة تشكيل اللجنة وفقاً لأسس واضحة تضمن ممارسة مهماتها وأعمالها بموضوعية، بعيداً من سياسة الانتقام والاستعراض، وعلى نحو تكون فيه عضويتها محصورة بشخصيات قضائية وقانونية ورقابية معروفة بنزاهتها وخبرتها، وتلتزم بموجبه بما نصّ عليه الإعلان الدستوري، مع احترام سلطة القضاء المستقلة، ومشاركة السوريين في مراقبة أعمالها وتنفيذ مهماتها.

