
تشهد مدينة حلب وريفها الشمالي الشرقي تصعيداً ميدانياً لافتاً، يتوازى مع استمرار إغلاق طريق عام حلب - الحسكة، في ما يبدو تهيئة لإطلاق أول عملية ضدّ «قسد»، بعد سقوط النظام السوري السابق. ويأتي ذلك بعد نحو سبعة أشهر من المباحثات بين الحكومة الانتقالية وقيادة «قسد»، للبحث عن آلية لتطبيق اتفاق العاشر من آذار، وعقد أربع جولات بلا نتائج عملية، وتعثّر المساعي لعقد جولة جديدة منذ مطلع تموز، وهو ما بدأ يدفع الأمور نحو مواجهة مسلّحة، رغم بقاء ثلاثة أشهر على انتهاء المدّة المحدّدة لتطبيق الاتفاق مع نهاية العام.
وشملت التحرّكات الميدانية تعزيزات تركية وسورية ضخمة، ونشر دشم في محيط حيّ الشيخ مقصود في حلب، وقطع طريق حلب - دير حافر وتحويل مساره إلى أثريا في بادية حماة. كما دفعت أنقرة بتعزيزات عسكرية نحو ريف حلب الشمالي الشرقي، مع التمركز في مطار كويرس، وسط تسريبات عن وجود معدّات خاصة لعبور المسطّحات المائية من بين التعزيزات، في إشارة إلى نوايا تركية، لعبور شرق الفرات في اتجاه غربه، إلى جانب استقدام جنود وآليات ومعدّات متنوّعة.
وترافق الإجراء التركي، مع استقدام وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، تعزيزات عسكرية من حمص وإدلب، في اتجاه خطوط التّماس مع «قسد»، في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، حيث انتشرت مقاطع مصوّرة لتنفيذ مسير راجل. وإلى جانب ذلك، بدا لافتاً نشر التعزيزات التابعة لتلك الحكومة في محيط حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ورفع سواتر ترابية على الطرق المؤدّية إليهما، في خطوة فُسّرت بأنها محاولة للتّضييق على «قسد»، ومنعها من شنّ هجمات في المدينة في حال انطلاق أي عملية عسكرية ضدّها شرق الفرات.
باشرت «قسد»، نقل جنود وآليات وزرع ألغام دفاعية، لمنع أي تقدّم للقوات الحكومية تجاه مناطق سيطرتها
غير أنّ هذه التحرّكات العسكرية لم يرافقها أي تصعيد إعلامي من قِبل دمشق أو أنقرة، اللتين تلتزمان الصمت حيال أسباب ما يجري، في وقت أكّد فيه ناشطون أنّ هذا التحشيد يمهّد لعملية سورية - تركية مشتركة ضدّ «قسد»، في كل من مسكنة ودير حافر وسدّ تشرين في ريف حلب الشمالي الشرقي، بهدف الضغط عليها عسكرياً ودفعها إلى تطبيق الاتفاق. على أنّ ثمّة تساؤلات تُطرح هنا حول موقف ضامني الاتفاق - واشنطن وباريس - من أي تحرّك عسكري محتمل ضدّ «قسد»، ومصير صفقة 10 آذار نفسها، بالإضافة إلى ردّة فعل «قسد» على ذلك.
والواقع أنّ الأخيرة بدأت تستشعر الخطر من وجود تحرّكات غير اعتيادية على جبهات دير حافر وسدّ تشرين؛ إذ باشرت في نقل جنود وآليات وزرع ألغام دفاعية لمنع أي تقدّم للقوات الحكومية تجاه مناطق سيطرتها في ريف حلب الشمالي الشرقي ومنطقة شرق الفرات. وفي هذا السياق، يقول مدير المركز الإعلامي التابع لـ«قسد»، فرهاد الشامي، في تصريحات إعلامية، إنّ «أي هجوم يأتينا من تلك الأطراف سيواجه بشكل فوري وبمستوى مناسب»، لافتاً إلى أنّ «"قسد" ليست ضعيفة، وعندما تحتكم للعقل والصبر، هي تحتكم من منطق وطني وأخلاقي».
وإزاء ذلك، يؤكّد مصدر ميداني أنّ «التحرّكات العسكرية الواضحة من جانب كل من "قسد" ودمشق وأنقرة، توحي بأجواء تصعيد متوقّع في الشمال والشرق»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أنّ «تركيا هي من ترعى هذا التصعيد وتريد تحرّكاً سريعاً لإنهاء "قسد" عسكرياً، واستعادة مناطق سيطرتها». ويتوقّع المصدر «انطلاق معركة محدودة في ريف حلب الشمالي والشرقي، لاختبار قدرات دمشق الهجومية وانضباطية عناصرها في تأدية المهام، مقابل اختبار قدرات "قسد" الدفاعية»، مرجّحاً أنّ «العمليات لن تتطور إلى مواجهة شاملة، لكنها تهدف إلى التلويح بالخيار العسكري الشامل في حال تعثّر تطبيق اتفاق العاشر من آذار قبل نهاية العام».
ويستبعد، في الوقت نفسه، أن «تكون دمشق أو أنقرة، حصلتا على موافقة واشنطن أو باريس، لشنّ مثل هكذا هجمات»، مرجّحاً أن «يتحرّك الضامنان سريعاً لإيقاف المعارك ومنع تمدّدها والعودة إلى مسار المفاوضات». وإذ يرى أنّ «الحلّ العسكري لن يكون في مصلحة أي طرف»، فهو يشير إلى أنّ «هذا الحلّ لا يحظى بأي تأييد دولي وإقليمي».

